ظهر نموذج جديد للذكاء الاصطناعي يحمل اسم «جيف» وطورته شركة «تايب سيف إيه آي»، ليقدم نهجًا مختلفًا عن نماذج الذكاء الاصطناعي التقليدية التي تعتمد على إنتاج النصوص والصور والفيديوهات والشيفرات البرمجية.
ويتميز النموذج الجديد بقدرته على معالجة القرارات والاختيارات القائمة على الاحتمالات، فيما تشير اختبارات نقلتها مجلة «فوربس» إلى أنه أسرع بنحو 25 مرة وأقل تكلفة بنحو 100 مرة مقارنة ببعض نماذج الذكاء الاصطناعي التقليدية.
«جيف» ينتشر بين شركات التكنولوجيا
لم يستغرق نموذج «جيف» وقتًا طويلًا في جذب الاهتمام، إذ ظهر على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا منصة «إكس»، قبل أن تبدأ شركات تقنية في دمجه ضمن أدواتها.
ومن بين الشركات التي بدأت الاعتماد على النموذج «كلاود فلير» و«فيرسيل»، في مؤشر على الاهتمام بالنماذج التي يمكنها تنفيذ مهام محددة بسرعة وتكلفة أقل.
نموذج مختلف عن شات جي بي تي وكلود
تقول شركة «تايب سيف إيه آي» إن «جيف» ينتمي إلى فئة مختلفة من نماذج الذكاء الاصطناعي، ولا يعتمد على نماذج اللغة العميقة المستخدمة في تطبيقات مثل «شات جي بي تي» و«كلود»، أو نماذج صينية مثل «ديب سيك» و«كيمي».
ويتمثل الاختلاف الأساسي في طبيعة المخرجات؛ فبدلًا من إنشاء نصوص أو صور أو فيديوهات أو شيفرات برمجية، يقدم «جيف» أرقامًا وإحصائيات مرتبطة بالاحتمالات والاختيارات.
كيف يعمل نموذج «جيف»؟
تعتمد آلية عمل النموذج على تقديم مجموعة من الخيارات أمامه، ثم توزيع نسب الاحتمالات عليها، ليحدد الخيار الأكثر ترجيحًا دون إنشاء إجابة جديدة من خارج الخيارات المتاحة.
ويمكن تشبيه هذه الآلية بأسئلة الاختيار من متعدد؛ ففي حين تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي التقليدية كتابة إجابات وإنتاج محتوى جديد، يركز «جيف» على اختيار أحد البدائل وتحديد احتمالات كل منها.
وتصف الشركة هذه العملية بأنها تقديم «قرارات احتمالية مصنفة ومحددة»، يمكن استخدامها من جانب نماذج الذكاء الاصطناعي الأخرى ووكلاء الذكاء الاصطناعي والأدوات التقنية.
ديوغو ألميدا وراء النموذج الجديد
يقف الباحث ديوغو ألميدا وراء تطوير «جيف»، بعدما كان من الباحثين الأوائل في «أوبن إيه آي» وأسهم في تطوير تقنية التعلم التعزيزي القائم على التغذية البشرية، التي لعبت دورًا في تطور نماذج الذكاء الاصطناعي.
وغادر ألميدا «أوبن إيه آي» قبل نحو عامين، ليؤسس شركة «تايب سيف»، التي تركز على تطوير نموذج موجه للتعامل مع الآلات بدلًا من التواصل مع البشر باللغة الطبيعية.
ويرى ألميدا أن نماذج الذكاء الاصطناعي التقليدية صممت بصورة أساسية للتعامل مع اللغة البشرية، وهو ما يجعلها أقل عملية في بعض مهام الأتمتة، بينما يستهدف «جيف» تقديم مخرجات يمكن للأنظمة والآلات التعامل معها مباشرة.
تمويل بقيمة 40 مليون دولار
وقبل الإعلان عن النموذج، تمكنت شركة «تايب سيف» من جمع تمويل بلغ نحو 40 مليون دولار، وفقًا لتقرير نشره موقع «ذا ريجستر» البريطاني.
وتعكس جولة التمويل اهتمام المستثمرين بتطوير أنواع جديدة من نماذج الذكاء الاصطناعي، لا تركز فقط على المحادثة وإنشاء المحتوى، وإنما تستهدف دعم الأنظمة والبرمجيات ووكلاء الذكاء الاصطناعي.
«جيف» يتفوق في السرعة
أظهرت اختبارات مقارنة نقلتها «فوربس» فارقًا كبيرًا في سرعة معالجة بعض المهام بين «جيف» ونماذج الذكاء الاصطناعي التقليدية.
وفي إحدى التجارب، قورن «جيف» بنموذج «كلود فابل 5.1» للكشف عن أخطاء متعمدة داخل 12 نصًا، وتمكن «جيف» من اكتشاف 6 أخطاء من أصل 7 في نحو 0.35 ثانية، مقابل 8.83 ثانية للنموذج الآخر عند استخدام إعداد الجهد العالي.
كما تمكن «جيف» خلال الاختبار من اكتشاف جميع الأخطاء الموجودة في النصوص.
تكلفة أقل لمهام الذكاء الاصطناعي
لا تقتصر ميزة «جيف» على السرعة، إذ تشير الاختبارات إلى انخفاض كبير في تكلفة تشغيله عند استخدامه في مهام محددة.
وقالت «تايب سيف» إنها اختبرت النموذج في مجموعة من مسارات العمل، بينها التنبيهات الأمنية، ومراجعة قرارات وكلاء الذكاء الاصطناعي، ومعالجة الفواتير وخدمة العملاء.
وأظهرت الاختبارات توافقًا بلغ 67.8% مع إجابات نماذج رائدة مثل «جي بي تي 6» و«كلود فابل 5.1»، بتكلفة تصل إلى 0.0004 دولار للحالة الواحدة وفي نحو 0.4 ثانية.
10 آلاف قرار يوميًا بـ120 دولارًا
أجرى مهندس البرمجيات المقيم في برلين غابرييل أنهايا مقارنة لتكلفة معالجة القرارات بين «جيف» وبعض النماذج التقليدية.
وأظهرت المقارنة أن تنفيذ 10 آلاف قرار يوميًا باستخدام «جيف» قد تصل تكلفته إلى نحو 120 دولارًا شهريًا، في حين تتجاوز التكلفة 35 ألف دولار شهريًا عند استخدام نموذج مثل «سونيت 5» لتنفيذ المهمة ذاتها، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
هل «جيف» لا يهلوس؟
من أبرز النقاط التي تميز «جيف» أنه لا ينتج نصوصًا مفتوحة أو معلومات من عنده، ولذلك لا يواجه مشكلة «الهلوسة» بالطريقة المعروفة في نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي.
لكن ذلك لا يعني أنه لا يخطئ؛ فالنموذج يمكن أن يختار إجابة غير صحيحة ويمنحها احتمالًا أعلى من البدائل الأخرى.
ولهذا، فإن عدم إنتاج معلومات مختلقة يختلف عن ضمان صحة القرار، وهو تمييز مهم عند تقييم قدرات النموذج واستخداماته العملية.
من يحتاج إلى نموذج «جيف»؟
لا يستهدف «جيف» المستخدم العادي الذي يريد إجراء محادثة أو كتابة نص أو إنشاء صورة، وإنما يركز على حالات استخدام محددة تحتاج إلى اختيار وترتيب وتصنيف مجموعة من البدائل.
ويعمل النموذج كطبقة وسيطة بين وكلاء الذكاء الاصطناعي والنماذج التي تقف خلفها، بهدف تسريع عملية اتخاذ القرارات وعرض البيانات المتعلقة بالخيارات المختلفة.
وبذلك يمكن استخدامه في مهام مثل تصنيف الطلبات، وترتيب الخيارات، وتحديد المسارات المحتملة، ومراجعة قرارات وكلاء الذكاء الاصطناعي، وغيرها من العمليات التي تعتمد على الاختيار بين بدائل محددة.
نموذج للآلات وليس للبشر
يمثل «جيف» اتجاهًا مختلفًا في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، إذ لا يحاول منافسة النماذج التوليدية في الكتابة أو إنشاء المحتوى، وإنما يركز على مساعدة الآلات والأنظمة البرمجية في اتخاذ القرارات.
وتتمثل فكرته الأساسية في تحويل النموذج من أداة تتحدث مع الإنسان إلى أداة تتعامل مع الآلات، من خلال تقديم احتمالات وقرارات منظمة يمكن دمجها مباشرة في الأنظمة التقنية.




