وتسعى شركات أوروبية كبرى، مثل سيمنز وإيه بي بي وشنايدر إلكتريك، إلى الاستفادة من موقعها في صناعة المعدات وأنظمة التحكم الصناعية لتطوير حلول ذكاء اصطناعي قادرة على تحسين عمليات التصنيع والصيانة والتصميم. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه أهمية الذكاء الاصطناعي الصناعي باعتباره أحد مسارات المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية بين القوى الكبرى.
لماذا تتنافس أوروبا والصين على الذكاء الاصطناعي الصناعي؟
تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي الصناعي فرصا لتحسين تصميم المنتجات وتصنيعها ونقلها، من خلال زيادة الإنتاجية وتقليل فترات توقف الآلات والحد من الهدر. كما يمكن أن تساعد المصانع على التعامل مع نقص العمالة وارتفاع تكاليف التشغيل، بما يدعم النمو الاقتصادي ويعزز القدرة التنافسية للصناعات المحلية.
وعلى خلاف النماذج اللغوية الكبيرة التي اشتهرت من خلال روبوتات المحادثة، يعتمد الذكاء الاصطناعي الصناعي على دمج الخوارزميات والبيانات داخل العمليات الفعلية للمصانع، بما يشمل تشغيل المعدات ومراقبة الجودة وتطوير المنتجات وإدارة المستودعات.
وتراهن الشركات الصناعية العريقة على أن امتلاك المعدات والبرمجيات والبيانات اللازمة لتشغيل المصانع يمنحها فرصة لتوسيع دورها في سوق الذكاء الاصطناعي، خاصة أن تغيير أنظمة الإنتاج أكثر تعقيدا من استبدال تطبيق رقمي بآخر، وقد يتطلب تحديث المعدات وإعادة تدريب العاملين وتعديل العمليات التشغيلية.
ووفقا لتقديرات نقلتها بلومبرغ عن غولدمان ساكس، أنفقت المجموعات الصناعية أكثر من 110 مليارات دولار منذ عام 2020 على الاستحواذ على شركات برمجيات، في إطار تعزيز قدراتها التقنية وتوسيع حضورها في سوق الذكاء الاصطناعي.
الصين تتصدر تركيب الروبوتات الصناعية الجديدة
تستند الصين إلى قاعدة صناعية ضخمة جعلتها أحد أبرز المنافسين في سباق الذكاء الاصطناعي الصناعي، إذ تستحوذ على نحو 30% من الإنتاج العالمي للسلع، بقيمة تبلغ 4.7 تريليون دولار سنويا، وفقا للأرقام الواردة في التقرير.
وركبت الشركات الصينية نحو 60% من الروبوتات الصناعية الجديدة على مستوى العالم خلال العام السابق، بحسب الاتحاد الدولي للروبوتات، في مؤشر على التوسع الكبير في استخدام الأتمتة داخل المصانع الصينية.
وتدعم بكين هذا التوجه من خلال برنامج «الذكاء الاصطناعي + التصنيع»، الذي يستهدف تعزيز استخدام التقنيات المتقدمة في عمليات الإنتاج وتحديث القاعدة الصناعية.
لكن اتساع القطاع الصناعي الصيني لا يعني أن جميع المصانع وصلت إلى المستوى نفسه من الرقمنة والأتمتة، إذ لا تزال بعض المنشآت تعتمد بدرجة كبيرة على العمالة اليدوية، مع تفاوت مستويات التطور التقني بين القطاعات والمصانع.
أوروبا تراهن على بيانات المصانع وخبراتها الصناعية
في المقابل، تعتمد أوروبا على خبرة طويلة في تصنيع المعدات الصناعية ورقمنة خطوط الإنتاج، إلى جانب امتلاك شركاتها أنظمة تحكم ومعدات مستخدمة في مصانع حول العالم.
وتقول شركة سيمنز الألمانية إنها وفرت نحو ثلث أنظمة التحكم الصناعية المستخدمة عالميا، وهو ما يمنحها إمكانية الوصول إلى بيانات تشغيلية واسعة يمكن الاستفادة منها في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتبرز أهمية هذه البيانات في قدرتها على مساعدة الأنظمة الذكية في التنبؤ بأعطال المعدات، وتحسين جودة المنتجات، ورفع كفاءة الآلات القائمة، بدلا من الاعتماد حصرا على بيانات عامة جُمعت من الإنترنت.
وتشير أنطونيا حميدي، من معهد ميركاتور للدراسات الصينية، إلى أن الشركات الأوروبية تتمتع بخبرات في استخدام البيانات الصناعية لتحسين أداء المعدات ورفع كفاءة الإنتاج، وهي مجالات يمكن أن تشكل أساسا لتوسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المصانع.
ورغم هذه المزايا، تواجه أوروبا منافسة من الشركات الأميركية التي تمتلك نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة وقدرات كبيرة في تصميم الرقائق والبنية التحتية الحاسوبية.
الولايات المتحدة تنافس برقائق الذكاء الاصطناعي والنماذج المتقدمة
لا يقتصر السباق على أوروبا والصين، إذ تؤدي الولايات المتحدة دورا محوريا في تطوير التقنيات الأساسية التي تعتمد عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصناعي.
وتتمتع شركة إنفيديا بمكانة بارزة في سوق رقائق الذكاء الاصطناعي، التي تستخدم في تدريب النماذج وتشغيل عمليات المحاكاة وتطوير أنظمة الروبوتات.
كما تجذب الشركات الأميركية الناشئة استثمارات كبيرة لتطوير تقنيات قادرة على نقل الذكاء الاصطناعي من البرمجيات إلى التطبيقات الواقعية، بما يشمل تصميم المنتجات وإدارة عمليات الإنتاج والتحكم في المعدات.
وتضع هذه المنافسة الشركات الأوروبية أمام تحدي الجمع بين خبرتها الصناعية التقليدية والاستفادة من النماذج المتقدمة والرقائق والبنية الحاسوبية التي تطورها الشركات الأميركية.
ما التحديات التي تواجه الذكاء الاصطناعي الصناعي؟
يختلف تطبيق الذكاء الاصطناعي داخل المصانع عن استخدام روبوتات المحادثة، لأن الأنظمة الصناعية تتعامل مع آلات ومعدات مادية تخضع لقوانين الفيزياء وحدود التشغيل والسلامة.
فقد يؤدي أمر برمجي خاطئ إلى إتلاف المعدات أو إنتاج كميات كبيرة من السلع المعيبة، كما يمكن أن يتسبب في مخاطر تهدد سلامة العاملين. ولذلك يتطلب تشغيل هذه الأنظمة مستويات مرتفعة من الاختبار والتحقق والرقابة.
وتحتاج تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصناعي أيضا إلى بيانات متخصصة، تشمل قراءات أجهزة الاستشعار والرسومات الهندسية وسجلات الإنتاج ومقاطع الفيديو والبيانات المرتبطة بأعطال المعدات. ويظل جزء من هذه المعلومات غير متاح رقميا أو خاضعا لملكية الشركات، ما يزيد صعوبة جمعه واستخدامه في تدريب النماذج.
وتواجه المصانع تحديا إضافيا يتمثل في اختلاف المعدات وأنظمة التحكم بين المنشآت، فقد يجمع مصنع واحد بين أجهزة قديمة وأنظمة حديثة من شركات مختلفة، وهو ما يجعل دمجها ضمن منظومة موحدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي عملية معقدة.
الرقمنة والتوائم الرقمية تعرقلان التحول الصناعي
رغم الجهود الأوروبية المستمرة لتحديث المصانع، لا تزال بعض الشركات تواجه صعوبات في استكمال البنية التحتية اللازمة لتطبيق الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
وفي ألمانيا، دفعت مبادرة «الصناعة 4.0» إلى تعزيز رقمنة المصانع وربط المعدات والأنظمة التشغيلية، لكن تطبيق هذه الرؤية لا يزال متفاوتا بين الشركات.
وبحسب دراسة أجرتها رابطة القطاع الرقمي الألماني «بيتكوم»، تقر نحو نصف الشركات الصناعية الألمانية بافتقارها إلى البنية التحتية التقنية اللازمة لاستخدام التوائم الرقمية، وهي نماذج افتراضية تساعد على اختبار الآلات ومحاكاة خطوط الإنتاج قبل تنفيذ التغييرات فعليا.
وتحد هذه الفجوات من قدرة المصانع على الاستفادة الكاملة من الذكاء الاصطناعي، خصوصا عندما تكون عمليات الإنتاج محدودة الحجم أو تعتمد على تصنيع منتجات متخصصة لا تحقق الأتمتة فيها دائما عائدا اقتصاديا مرتفعا.
كيف يغير الذكاء الاصطناعي تصميم المنتجات الصناعية؟
يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين تصميم المنتجات من خلال تحليل كميات كبيرة من بيانات المحاكاة واختبار عدد أكبر من الاحتمالات خلال وقت أقصر، ما يساعد المهندسين على الوصول إلى تصميمات أكثر كفاءة.
وتستخدم التوائم الرقمية تقليديا نماذج وقواعد محددة لمحاكاة تأثير التغييرات الهندسية على أداء المنتج، بينما يمكن للذكاء الاصطناعي توسيع نطاق الاختبارات وتحليل النتائج بصورة أسرع.
وفي هذا السياق، تجري شركة بي إم دبليو آلاف اختبارات التصادم الافتراضية خلال تطوير سياراتها، قبل الانتقال إلى اختبارات التصادم الفعلية للنماذج الأولية. كما بدأت التعاون مع شركة ميسترال إيه آي الفرنسية لتسريع تحليل بيانات محاكاة التصادم، التي تتجاوز بيتابايت واحدا، وفقا للتقرير.
وتساعد هذه التطبيقات على تقليص الوقت اللازم لتطوير المنتجات، مع استمرار الحاجة إلى الاختبارات الواقعية للتحقق من السلامة والأداء.
الذكاء الاصطناعي يرفع كفاءة الإنتاج ويتنبأ بالأعطال
تستخدم المصانع أجهزة استشعار لمراقبة درجات الحرارة والاهتزازات والضغط وغيرها من المؤشرات التشغيلية، ويمكن للذكاء الاصطناعي تحليل هذه البيانات مجتمعة للكشف عن أنماط قد يصعب ملاحظتها بالطرق التقليدية.
وتوظف شركة الكيماويات الألمانية لانكسيس هذه التقنية لتحليل بيانات الاهتزازات والحرارة ومؤشرات أخرى، بهدف رصد التغيرات في أداء المعدات والتعرف على الأعطال المحتملة قبل وقوعها.
كما تعمل سيمنز على تطوير أدوات تساعد المهندسين في إنشاء برمجيات التحكم الصناعي والتحقق منها باستخدام أوامر مكتوبة بلغة طبيعية، بما يسرع إعداد أنظمة الأتمتة، مع استمرار ضرورة اختبار الكود قبل تشغيله على المعدات الفعلية.
وفي الصين، استفادت شركة كاسمت المتخصصة في معدات الأتمتة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لتسريع تطوير نموذج أولي لخط إنتاج مكابح السيارات الكهربائية، وقالت الشركة إن هذه الأدوات ساعدت العمال على إنجاز المهام بسرعة تتراوح بين ضعفين وخمسة أضعاف المعدل المعتاد.
وتوضح هذه الأمثلة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحسين الإنتاج، شرط أن تتناسب الحلول التقنية مع طبيعة العمليات الصناعية ومتطلبات السلامة.
الذكاء الاصطناعي والروبوتات يعززان كفاءة المستودعات
تمثل الخدمات اللوجستية أحد المجالات التي يمكن أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي الصناعي، خاصة في المستودعات التي تتعامل مع منتجات مختلفة في الحجم والشكل والوزن.
ورغم انتشار الروبوتات في تنفيذ المهام المتكررة، فإن التعامل مع منتجات متنوعة وظروف متغيرة يتطلب قدرة على التعرف على الأشياء واتخاذ قرارات مناسبة في الوقت الفعلي.
ويتيح تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على التعرف على المنتجات وتحديد طريقة التعامل معها تقليل الحاجة إلى برمجة كل حركة بصورة منفصلة.
وقالت شركة أمازون إن روبوتها «سبارو» يستطيع التعامل مع أكثر من 200 مليون منتج مختلف تدخل مستودعاتها، في مثال على اتجاه استخدام الذكاء الاصطناعي لتوسيع قدرات الروبوتات في العمليات اللوجستية.
هل يحقق الذكاء الاصطناعي الصناعي عائدا اقتصاديا؟
رغم الإمكانات الكبيرة لهذه التقنيات، فإن تطبيق الذكاء الاصطناعي لا يضمن تلقائيا تحقيق وفورات أو زيادة الإنتاجية، إذ يتعين على الشركات مقارنة تكاليف تطوير الأنظمة وتشغيلها بالعائد المتوقع منها.
وقد تكون بعض الحلول التقليدية أقل تكلفة وأكثر موثوقية من بناء نموذج ذكاء اصطناعي جديد، خاصة عندما يمكن تحديد مواعيد الصيانة من خلال سجلات المشتريات أو أنماط الأعطال السابقة.
وفي هذا الإطار، أشارت سابين فايفر، مديرة معهد بافاريا لأبحاث التحول الرقمي، إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى النتيجة نفسها التي يمكن تحقيقها بوسائل أخرى، لكنها قد تكون أسرع وأقل تكلفة وأكثر موثوقية.
ويعني ذلك أن نجاح الشركات في هذا السباق لن يعتمد على امتلاك أحدث التقنيات فقط، بل على قدرتها على اختيار التطبيقات التي تقدم قيمة اقتصادية حقيقية وتتكامل مع البنية التحتية القائمة.
مستقبل المنافسة على الذكاء الاصطناعي الصناعي
تتجه طموحات مطوري الذكاء الاصطناعي الصناعي إلى بناء أنظمة قادرة على المساعدة في مختلف مراحل التصنيع، بدءا من تحليل تصميم المنتج وتحديد طرق إنتاجه، وصولا إلى تخطيط المصنع وتوجيه الآلات وتنسيق عمل الروبوتات والتعبئة والتخزين.
ويعكس تزايد اهتمام الشركات بهذه التطبيقات تحولا في النظرة إلى الذكاء الاصطناعي، من كونه أداة لإنتاج النصوص والإجابة عن الأسئلة إلى تقنية يمكن دمجها في العمليات الاقتصادية والمادية.
ومع ذلك، يظل الانتقال من التجارب المحدودة إلى الاستخدام الواسع داخل المصانع مرهونا بتوافر البيانات الصناعية عالية الجودة، وتطوير البنية التحتية، وضمان السلامة، وتحقيق عائد اقتصادي يبرر تكاليف التنفيذ.
وبينما تستند الصين إلى حجم إنتاجها والتوسع في الروبوتات، تراهن أوروبا على خبراتها الصناعية وبيانات مصانعها، فيما تواصل الولايات المتحدة تطوير الرقائق والنماذج المتقدمة. وستتحدد ملامح المنافسة بقدرة هذه الأطراف على تحويل إمكانات الذكاء الاصطناعي إلى حلول عملية قابلة للتوسع داخل المصانع.




