فبعد سنوات طويلة من هيمنة الشركتين على سوق الإعلانات الرقمية، بدأت ملامح المنافسة تتغير، إذ نجحت «ميتا» في توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءة حملاتها الإعلانية وزيادة عائداتها، بينما تواجه «غوغل» تحديات متصاعدة مع ظهور روبوتات المحادثة الذكية التي تقدم بدائل جديدة لمحركات البحث التقليدية.
وكشفت نتائج الربع الثالث عن اتساع الفجوة بين أداء الشركتين في قطاع الإعلانات، بعدما سجلت «ميتا» معدل نمو تجاوز ضعف نمو إيرادات البحث لدى «غوغل»، في تطور يعكس التأثير المتباين للذكاء الاصطناعي على نماذج أعمال أكبر شركتين في سوق الإنترنت.
ميتا تتفوق على جوجل في نمو إيرادات الإعلانات
أظهرت النتائج المالية ارتفاع إيرادات الإعلانات لدى «ميتا» بنسبة 26% على أساس سنوي خلال الربع الثالث، لتصل إلى 63.1 مليار دولار، مقابل نمو إيرادات قطاع البحث لدى «غوغل» بنسبة 12%، بإجمالي 63.4 مليار دولار.
ويكشف هذا الفارق، البالغ 14 نقطة مئوية، عن تحول مهم في المنافسة بين الشركتين، خاصة مع تقارب حجم الإيرادات الإعلانية لكل منهما، رغم استمرار امتلاك «غوغل» مصادر دخل إضافية، من بينها منصة «يوتيوب».
وتعكس هذه الأرقام نجاح «ميتا» في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتحسين استهداف المستخدمين وتطوير أدوات المعلنين، في الوقت الذي تحاول فيه «جوجل» الحفاظ على مكانة محرك البحث وسط تغير عادات استخدام الإنترنت.
الذكاء الاصطناعي يهدد نموذج البحث التقليدي لدى جوجل
تواجه «جوجل» تحديًا متزايدًا مع انتشار روبوتات الذكاء الاصطناعي، مثل «تشات جي بي تي» و«كلود»، التي تتيح للمستخدمين الحصول على إجابات مباشرة ومعلومات تفصيلية دون الحاجة إلى تصفح صفحات نتائج البحث التقليدية.
ويمثل هذا التحول تهديدًا محتملًا لنموذج الإعلانات الذي اعتمدت عليه «غوغل» لسنوات، إذ يرتبط جزء كبير من عائداتها بعمليات البحث والنقر على الروابط والإعلانات التي تظهر أمام المستخدمين.
وتزداد المنافسة مع دخول أدوات جديدة إلى السوق، من بينها مساعد «ميوز» الذي أطلقته «ميتا»، بالتزامن مع زيادة الوقت الذي يقضيه المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا «إنستغرام»، بما يتيح للشركة فرصًا أكبر لعرض الإعلانات.
ويرى محللون أن قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على مساعدة المستخدمين في العثور على المعلومات والمنتجات قد تؤدي إلى تغيير عادات البحث بصورة غير مسبوقة منذ سنوات طويلة.
كيف استخدمت ميتا الذكاء الاصطناعي لزيادة أرباح الإعلانات؟
استفادت «ميتا» من تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير نظامها الإعلاني، بعدما واجهت تحديات كبيرة نتيجة التغييرات التي أدخلتها شركة «أبل» على سياسات الخصوصية في نظام التشغيل iOS عام 2021، والتي أثرت على قدرة المنصة في تتبع المستخدمين واستهدافهم بالإعلانات.
ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي وانتشار «تشات جي بي تي» في نهاية عام 2022، اتجهت الشركة إلى دمج التقنيات الجديدة في منتجاتها الإعلانية، بهدف تحسين أداء الحملات ومساعدة الشركات على الوصول إلى العملاء المحتملين.
وطورت «ميتا» مساعدًا للأعمال يعمل بالذكاء الاصطناعي، يتيح للمعلنين الاستفادة من التوصيات الآلية لإنشاء الحملات الإعلانية وتحسين نتائجها عبر نظام إدارة الإعلانات.
ووفقًا لتصريحات المديرة المالية للشركة، سوزان لي، حقق المعلنون الذين استخدموا توصيات هذه الأداة زيادة تقارب 5% في معدلات التحويل، إلى جانب ارتفاع إنفاقهم الإعلاني بنسبة 9% مقارنة بمعلنين آخرين.
كما أشارت إلى تجربة شركة متخصصة في إنتاج شراب القيقب، تمكنت من زيادة عمليات الشراء بنسبة 57%، وخفض تكلفة عملية الشراء الواحدة بنسبة 36% باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
ووصل عدد المعلنين الذين استخدموا أداة واحدة على الأقل من أدوات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «ميتا» إلى نحو 10 ملايين معلن خلال الربع الثالث.
جوجل تراهن على جيميناي لتطوير الإعلانات الرقمية
في المقابل، تسعى «غوغل» إلى توظيف نموذج الذكاء الاصطناعي «جيميناي» لتطوير بنيتها الإعلانية وتحسين الخدمات المقدمة للمعلنين عبر محرك البحث ومنصة «يوتيوب».
وتعمل الشركة على دمج نماذج جيميناي في مختلف أنظمتها الإعلانية، بهدف تحسين استهداف الجمهور وتقديم أدوات أكثر تطورًا تساعد العلامات التجارية على إدارة حملاتها وتحقيق نتائج أفضل.
لكن التحدي الأكبر لا يتعلق بتطوير الإعلانات فقط، وإنما بمستقبل محرك البحث نفسه، خاصة مع تقديم الشركة ملخصات وإجابات مدعومة بالذكاء الاصطناعي من خلال ميزتي AI Overviews وAI Mode.
وتتيح هذه الخدمات للمستخدمين الحصول على إجابات مباشرة دون الحاجة إلى الانتقال إلى مواقع الإنترنت المختلفة، وهو ما يثير تساؤلات حول تأثيرها على حركة الزيارات والإعلانات المرتبطة بنتائج البحث.
ورغم إعلان «غوغل» تسجيل عمليات البحث مستويات قياسية خلال الربع الثالث، فإن تباطؤ نمو الإيرادات يضع نموذج أعمالها أمام اختبار حقيقي مع استمرار انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي.
استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي تضغط على الشركتين
لا تقتصر المنافسة بين «غوغل» و«ميتا» على تطوير الخدمات الإعلانية، بل تمتد إلى سباق استثمارات ضخم لبناء مراكز البيانات وتوفير الرقائق والبنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتتوقع «غوغل» وصول نفقاتها الرأسمالية إلى 205 مليارات دولار خلال العام، بينما تستعد «ميتا» لإنفاق ما يصل إلى 145 مليار دولار، في إطار خطط التوسع في تطوير التقنيات الجديدة.
وتثير هذه الاستثمارات تساؤلات لدى المستثمرين بشأن قدرة الشركتين على تحويل الإنفاق الضخم إلى عائدات وأرباح تتناسب مع حجم الأموال الموجهة إلى هذا القطاع.
كما انعكست مخاوف الأسواق على أداء الأسهم، بعدما تعرضت الشركتان لضغوط استثمارية نتيجة القلق من ارتفاع تكاليف البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وعدم وضوح العائد المالي المستقبلي بصورة كاملة.
جوجل تمتلك ميزة الحوسبة السحابية وميتا تبحث عن مصادر دخل جديدة
رغم التحديات التي تواجه نشاط البحث، تمتلك «غوغل» مصدرًا إضافيًا للنمو يتمثل في قطاع الحوسبة السحابية، الذي سجل إيرادات فصلية بلغت 31 مليار دولار، مع نمو تجاوز 100% وفق الأرقام الواردة في التقرير.
وتستفيد الشركة من الطلب المتزايد على خدمات البنية التحتية السحابية ورقائق الذكاء الاصطناعي التي تطورها داخليًا، والمعروفة باسم وحدات معالجة الموترات TPU.
أما «ميتا»، فلا تزال تعتمد بصورة كبيرة على الإعلانات التي تمثل نحو 98% من إيراداتها، لكنها تتجه إلى الاستثمار في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي والوكلاء الذكيين، مع إمكانية إطلاق خدمات قائمة على الاشتراكات مستقبلًا لتنويع مصادر الدخل.
مستقبل الإعلانات الرقمية يتوقف على سباق الذكاء الاصطناعي
تكشف المنافسة بين «غوغل» و«ميتا» عن مرحلة جديدة في صناعة الإنترنت، لم تعد فيها الأفضلية مرتبطة فقط بعدد المستخدمين أو حجم المنصات، وإنما بقدرة الشركات على توظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين تجربة المستخدم وزيادة العائدات الإعلانية.
وبينما تستفيد «ميتا» حاليًا من تطوير أدوات استهداف أكثر كفاءة، تواجه «غوغل» تحديًا يتعلق بإعادة ابتكار نموذج البحث وتحقيق الإيرادات في ظل انتشار المساعدات الذكية.
وتظل قدرة الشركتين على تحويل استثماراتهما الضخمة إلى مصادر دخل مستدامة العامل الأهم في تحديد مراكز القوة داخل سوق التكنولوجيا خلال السنوات المقبلة، خاصة مع احتمالات تغير الطريقة التي يبحث بها المستخدمون عن المعلومات ويتفاعلون مع الإعلانات عبر الإنترنت.




