وتسلط الدراسة الضوء على التحديات المتزايدة التي تواجه أمن الإنترنت، في ظل التطور السريع لقدرات الذكاء الاصطناعي على محاكاة أساليب التواصل البشري، وما يثيره ذلك من مخاوف بشأن الحسابات المزيفة والمحتوى المضلل وعمليات الاحتيال الرقمي.
اختبار جديد يكشف قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليد البشر
تعود جذور هذه القضية إلى عام 1950، عندما طرح عالم الرياضيات البريطاني آلان تورينغ تساؤله الشهير حول قدرة الآلات على التفكير، ووضع اختبارًا يعتمد على إجراء محادثة مكتوبة لمحاولة تحديد ما إذا كان الطرف الآخر إنسانًا أم آلة.
ومع التطور الكبير الذي شهدته روبوتات الدردشة خلال السنوات الأخيرة، أعاد باحثون من جامعة باريس سيتي الفرنسية طرح السؤال بصورة مختلفة: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اكتشاف روبوتات دردشة أخرى عندما تحاول الظهور بمظهر البشر؟
وللإجابة عن هذا التساؤل، أجرى الباحثون دراسة نُشرت في دورية «Computers in Human Behavior Reports»، واختبروا خلالها قدرة سبعة نماذج للذكاء الاصطناعي على تحديد هوية الأطراف التي تتواصل معها عبر المحادثات النصية.
7 نماذج للذكاء الاصطناعي تشارك في التجربة
شملت التجربة سبعة نماذج للذكاء الاصطناعي، من بينها ChatGPT 4.5 وClaude 3.7 Sonnet وGemini 2.5 Pro وGrok 3، حيث كُلفت بدور المحقق الذي يحاول تحديد ما إذا كان الطرف الآخر إنسانًا حقيقيًا أم نظامًا آليًا.
وسُمح لكل نموذج بطرح ما يصل إلى 10 أسئلة خلال المحادثة، مع تنبيهه إلى احتمال تعرضه للتضليل من خلال إجابات غير صادقة أو محاولات متعمدة لإخفاء الهوية الحقيقية.
وضمت الأطراف التي خضعت للاختبار 20 متطوعًا بشريًا، إلى جانب نماذج الذكاء الاصطناعي السبعة، بهدف قياس قدرة الأنظمة على التمييز بين التواصل البشري الطبيعي والإجابات التي تنتجها الآلات.
شخصيات افتراضية تساعد روبوتات الدردشة على إخفاء هويتها
اعتمد الباحثون أسلوبين مختلفين لاختبار قدرة روبوتات الدردشة على تقمص الشخصيات البشرية. ففي الاختبار الأول، تلقت النماذج تعليمات مختصرة تطلب منها التصرف كما لو كانت أشخاصًا حقيقيين.
أما الاختبار الثاني، فاعتمد على تقديم وصف تفصيلي لشخصية افتراضية لشاب يبلغ 21 عامًا، يتسم بالتحفظ، ويمارس الركض، ويعزف على آلة البوق ضمن موسيقى الجاز، مع السماح له بارتكاب بعض الأخطاء الإملائية البسيطة.
واستهدف هذا الأسلوب معرفة ما إذا كان تزويد النماذج بتفاصيل شخصية وسلوكيات أكثر واقعية يمكن أن يجعل محادثاتها أقرب إلى الطريقة التي يتواصل بها البشر في حياتهم اليومية.
الذكاء الاصطناعي يفشل في كشف معظم الحالات
أظهرت نتائج الدراسة أن نماذج الذكاء الاصطناعي استطاعت محاكاة السلوك البشري بدرجة كبيرة، إذ لم يتمكن المشاركون من كشف سوى ثلاث حالات من بين 98 اختبارًا ظهر فيها الذكاء الاصطناعي متقمصًا شخصية إنسان.
وكانت النتيجة الأكثر لفتًا للانتباه أن الباحثين لم ينجحوا في كشف أي نموذج من النماذج المختبرة عندما استخدمت الشخصية الافتراضية ذات التفاصيل الدقيقة.
كما حصلت نماذج الذكاء الاصطناعي، في المتوسط، على تقييمات جعلتها تبدو أكثر شبهًا بالبشر مقارنة بالمشاركين البشريين الفعليين.
وتشير هذه النتائج إلى أن قدرة الأنظمة الحديثة لم تعد تقتصر على تقديم إجابات سليمة لغويًا، بل امتدت إلى محاكاة جوانب متعددة من التواصل البشري، بما يشمل أسلوب الكتابة وطول الردود والتفاصيل الشخصية وطريقة عرض المعلومات.
لماذا يصعب اكتشاف روبوتات الدردشة المتطورة؟
أوضحت نتائج الدراسة أن بعض المؤشرات التي قد تثير الشك في هوية المتحدث ترتبط أحيانًا بطريقة صياغة الإجابات، وليس فقط بمحتواها.
ففي الحالات التي أمكن فيها كشف النماذج، بدت بعض الردود منظمة بصورة مبالغ فيها، واتسمت بترتيب مثالي وصياغة شديدة الدقة، وهي سمات قد تدفع المحقق إلى الاشتباه في أن الطرف الآخر ليس إنسانًا.
لكن استخدام شخصية افتراضية أكثر تفصيلًا ساعد على تقليل هذه المؤشرات، إذ أصبحت الردود أكثر اختصارًا وعفوية، وبلغ متوسط طول الإجابات نحو 39 كلمة، مقارنة بنحو 38 كلمة لدى المشاركين البشر.
ومع تقارب أساليب الإجابة، تراجعت قدرة المشاركين على التمييز بين الإنسان والآلة، ولم يتمكنوا من كشف النماذج التي استخدمت الشخصية التفصيلية.
ومن المواقف اللافتة في التجربة أن نموذج Claude رفض في البداية التظاهر بأنه إنسان، قبل أن يوضح الباحثون له أن المشاركة في هذا الدور تأتي ضمن تجربة بحثية.
مخاطر متزايدة على أمن الإنترنت ومكافحة الاحتيال
تأتي نتائج الدراسة في وقت تتزايد فيه المخاوف من توظيف الذكاء الاصطناعي لإنشاء حسابات مزيفة تستطيع التفاعل مع المستخدمين بصورة تبدو طبيعية، ونشر معلومات مضللة، أو تنفيذ محاولات احتيال يصعب اكتشافها بالوسائل التقليدية.
وتشير الورقة البحثية إلى أن الروبوتات تمثل أكثر من نصف حركة المرور على الإنترنت، وهو ما يعزز أهمية تطوير وسائل أكثر موثوقية للتمييز بين الأنشطة البشرية والتفاعلات الآلية.
وتثير الدراسة تساؤلات حول مدى فاعلية الاعتماد على أدوات الكشف المدعومة بالذكاء الاصطناعي وحدها، خصوصًا إذا كانت النماذج نفسها عاجزة عن تحديد هوية أنظمة أخرى تستطيع محاكاة البشر بإتقان.
التوقيعات المشفرة والرقابة البشرية لمواجهة التزييف الرقمي
في ضوء هذه النتائج، يقترح الباحثون تعزيز وسائل التحقق من الهوية الرقمية، وعدم الاكتفاء بتحليل أسلوب الكتابة أو طبيعة الإجابات الصادرة عن روبوتات الدردشة.
وتشمل الحلول المقترحة استخدام التوقيعات المشفرة التي تساعد على التحقق من مصدر الرسائل أو هوية الأنظمة، إلى جانب الاستعانة بالرقابة البشرية ووسائل حماية إضافية تحد من قدرة الحسابات الآلية على انتحال هوية الأشخاص الحقيقيين.
وتؤكد هذه التوصيات أهمية تطوير منظومة متكاملة للتحقق من الهوية الرقمية، بدلًا من افتراض أن الأنظمة الذكية تستطيع دائمًا اكتشاف الأنظمة المماثلة لها اعتمادًا على المحادثات وحدها.
اختبار تورينغ يعود إلى الواجهة بعد 76 عامًا
بعد مرور 76 عامًا على طرح آلان تورينغ اختباره الشهير، تكشف الدراسة الجديدة عن تحول مهم في طبيعة التحدي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي.
فلم يعد السؤال مقتصرًا على قدرة الآلات على إقناع البشر بأنها تتصرف مثلهم، بل أصبح يتعلق أيضًا بقدرة الأنظمة الذكية على اكتشاف بعضها بعضًا في بيئة رقمية تتزايد فيها صعوبة التمييز بين الإنسان والآلة.
وتشير النتائج إلى أن التطور المتسارع في قدرات المحادثة الآلية يفرض تحديات جديدة على أمن الإنترنت، ويجعل التحقق من الهوية الرقمية عنصرًا أساسيًا في الحد من الحسابات المزيفة والتضليل والاحتيال الإلكتروني.
وفي ظل هذه التطورات، قد لا يكون الاعتماد على المحادثات وحدها كافيًا لمعرفة هوية الطرف الآخر، ما يعزز الحاجة إلى وسائل تحقق مستقلة وأكثر موثوقية.




