وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه شركات التكنولوجيا إلى تحويل وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى مساعدين رقميين قادرين على إنجاز المهام اليومية بصورة مستقلة، بدءًا من التسوق وحجز الرحلات، وصولًا إلى إدارة الحسابات المصرفية ومقارنة الأسعار واتخاذ قرارات الشراء.
لكن القيود التي تفرضها المنصات الإلكترونية تهدد بإبطاء انتشار هذه التقنيات، إذ تعتمد فاعلية الوكلاء على قدرتهم على الوصول إلى المواقع والتفاعل مع خدماتها وتنفيذ الأوامر الموكلة إليهم، وفقًا لتقرير نشره موقع «Android Headlines»، استنادًا إلى تقارير إعلامية وتقنية.
مواقع إلكترونية كبرى تحظر وكلاء الذكاء الاصطناعي
واجه مستخدمو أدوات الذكاء الاصطناعي، من بينها «ميوز» التابع لشركة ميتا، و«Dots» من أوبن إيه آي، و«غروك» من شركة إكس إيه آي، صعوبات في تنفيذ بعض المهام عبر مواقع إلكترونية شهيرة.
ووفقًا لتقارير نشرها موقعا «تك كرانش» و«ذا فيرج»، أزالت أمازون مساعد ميوز التابع لميتا من منصتها للتجارة الإلكترونية، بينما اتجهت شركات طيران، من بينها دلتا، إلى فرض قيود على الوكلاء الخارجيين الذين يحاولون حجز الرحلات.
وامتدت هذه القيود إلى القطاع المصرفي، مع توجه مؤسسات مالية كبرى إلى الحد من وصول الروبوتات الآلية إلى حسابات العملاء أو منعها من تنفيذ العمليات المالية.
وتضع هذه الإجراءات تحديًا أمام شركات الذكاء الاصطناعي، التي تراهن على قدرة وكلائها على التعامل مع المواقع الإلكترونية بالطريقة التي يتعامل بها المستخدم البشري، دون الحاجة إلى تدخله في كل خطوة.
المخاوف الأمنية تدفع البنوك إلى تقييد الوكلاء الذكيين
تستند البنوك إلى مخاطر أمن الحسابات والاحتيال لتبرير القيود المفروضة على وكلاء الذكاء الاصطناعي، خاصة عندما تتطلب المهام الوصول إلى بيانات تسجيل الدخول أو الاطلاع على المعلومات المالية أو تنفيذ تحويلات نيابة عن العملاء.
وتثير هذه الإمكانات تساؤلات بشأن المسؤولية عن الأخطاء والمعاملات غير المقصودة، فضلًا عن احتمالات استغلال صلاحيات الوصول إلى الحسابات في حال تعرض الوكيل أو البيانات التي يستخدمها للاختراق.
لكن الاعتبارات الأمنية لا تفسر وحدها تحفظ المؤسسات المالية، إذ قد تؤثر الأتمتة أيضًا في نماذج أعمالها التقليدية، خصوصًا عندما يصبح بإمكان العملاء استخدام وكلاء أذكياء للبحث تلقائيًا عن أفضل العوائد على مدخراتهم.
الذكاء الاصطناعي يهدد نماذج الأعمال المصرفية التقليدية
بحسب تحليل صادر عن شركة أبولو غلوبال مانجمنت، قد تواجه البنوك الكبرى تكاليف إضافية تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات نتيجة ارتفاع مدفوعات الفائدة، إذا ساعد وكلاء الذكاء الاصطناعي العملاء على نقل الأموال من الحسابات الجارية منخفضة العائد إلى حسابات التوفير ذات العوائد المرتفعة.
ويعني ذلك أن الوكلاء قد يمنحون العملاء قدرة أكبر على مقارنة المنتجات المصرفية وتحريك أموالهم بحثًا عن عوائد أفضل، بدلًا من ترك أرصدتهم في حسابات لا تحقق لهم أعلى استفادة ممكنة.
وفي حال انتشار هذه الممارسات، قد تضطر البنوك إلى المنافسة بصورة أكبر على الودائع، بما قد يرفع تكاليف التمويل ويؤثر في بعض مصادر أرباحها.
منصات التجارة الإلكترونية تخشى خسارة إيرادات الإعلانات
تواجه منصات التجارة الإلكترونية تحديًا اقتصاديًا مشابهًا، إذ يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي البحث عن المنتجات ومقارنة الأسعار وإتمام عمليات الشراء دون أن يضطر المستخدم إلى تصفح صفحات المتاجر بالطريقة المعتادة.
وقد يؤدي هذا التحول إلى تقليص تعرض المستخدمين للإعلانات المدفوعة وتوصيات المنتجات التي تعتمد عليها منصات مثل أمازون وYelp لتحقيق الإيرادات.
فإذا تولى المساعد الذكي اختيار المنتج الأنسب بناءً على السعر والمواصفات وتقييمات العملاء، فقد تتراجع أهمية الإعلانات التي تظهر أثناء تصفح المستخدم للموقع، وهو ما يثير مخاوف الشركات التي تعتمد على هذه الإعلانات في نماذج أعمالها.
وبالتالي، لا يرتبط الجدل حول الوكلاء الذكيين بالأمن والخصوصية فقط، بل يمتد إلى المنافسة على العلاقة المباشرة مع المستهلك والتحكم في مسار التسوق الرقمي.
أنظمة مكافحة الروبوتات تعرقل عمل وكلاء الذكاء الاصطناعي
تواجه وكلاء الذكاء الاصطناعي عقبات تقنية حتى في الحالات التي لا توجد فيها خلافات مباشرة مع المواقع الإلكترونية، إذ تعتمد منصات كثيرة على أنظمة متقدمة لمكافحة الروبوتات والأنشطة الآلية المشبوهة.
وتستخدم شركات مثل كلاودفلير تقنيات حماية تشمل اختبارات التحقق المعروفة باسم CAPTCHA، بهدف التمييز بين الزوار البشريين والبرامج الآلية التي قد تُستخدم لجمع البيانات أو تنفيذ أنشطة ضارة.
لكن هذه الأنظمة قد تمنع الوكلاء الذكيين من إكمال خطوات تسجيل الدخول أو متابعة إجراءات الشراء وحجز الخدمات، حتى عندما يعملون بتفويض من المستخدم ولأغراض مشروعة.
وتزداد صعوبة المشكلة مع عدم وجود آليات موحدة وموثوقة لدى جميع المواقع للتحقق من هوية الوكيل الذكي والتأكد من أنه يعمل بإذن المستخدم ولا يتجاوز الصلاحيات الممنوحة له.
هل يمكن التوصل إلى حلول تسمح للوكلاء بالعمل بأمان؟
يتطلب توسيع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي تطوير وسائل تقنية تتيح للمواقع التأكد من هوية هذه الأدوات وصلاحياتها، مع الفصل بين الوكلاء المصرح لهم والروبوتات الخبيثة.
وقد يساعد اعتماد قنوات اتصال آمنة وواجهات برمجية رسمية في تمكين الوكلاء من تنفيذ مهام محددة دون الحاجة إلى محاكاة جميع خطوات التصفح البشري أو التعامل المباشر مع بيانات تسجيل الدخول الحساسة.
كما أن تحديد الصلاحيات مسبقًا، وطلب موافقة المستخدم قبل تنفيذ المعاملات المالية أو عمليات الشراء، يمكن أن يحد من مخاطر الأخطاء والاستخدام غير المصرح به.
غير أن نجاح هذه الحلول يتطلب تعاونًا بين شركات الذكاء الاصطناعي والمنصات الإلكترونية والمؤسسات المالية، إلى جانب وضع قواعد واضحة بشأن المسؤولية وحماية بيانات المستخدمين.
هل يتعثر حلم المساعد الشخصي المستقل؟
تكشف القيود المفروضة على وكلاء الذكاء الاصطناعي عن فجوة بين الإمكانات التي تعد بها شركات التكنولوجيا والواقع العملي لاستخدام هذه الأدوات عبر الإنترنت.
فعلى الرغم من تطور النماذج في فهم التعليمات واتخاذ القرارات وتنفيذ المهام المتتابعة، تظل قدرتها على إنجاز الأعمال اليومية مرتبطة بإمكانية الوصول إلى المواقع والخدمات الخارجية، فضلًا عن الضوابط الأمنية والتجارية التي تفرضها تلك المنصات.
ومن ثم، فإن مستقبل المساعد الرقمي المستقل لن يتوقف على تطور الذكاء الاصطناعي وحده، بل سيتأثر أيضًا بقدرة الشركات على التوفيق بين راحة المستخدمين وحماية البيانات والإيرادات.
وإذا استمرت الخلافات بشأن الأمن والمصالح الاقتصادية والتوافق التقني، فقد يظل استخدام الوكلاء في التسوق وحجز الرحلات وإدارة الحسابات محدودًا، بدلًا من التحول سريعًا إلى أدوات تتولى إدارة الحياة الرقمية للمستخدم بصورة مستقلة.




