وأكدت كيلسي غودمان، المسؤولة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنتدى الاقتصادي العالمي، أن تحقيق هذه القيمة المحتملة يرتبط بقدرة دول المنطقة على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات التشغيلية، وتوفير متطلبات تشغيل مراكز البيانات، مع مراعاة الاستدامة البيئية وكفاءة استخدام الموارد.
وأوضحت، خلال مقابلة مع «الشرق بلومبرغ» على هامش الاجتماع السنوي لقادة المستقبل العالميين في دبي، أن الوصول إلى النتائج المستهدفة يتطلب تكامل الجهود وتنسيقها، إلى جانب بناء بنية تحتية قادرة على استيعاب التوسع المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
كيف يمكن للمنطقة تحقيق تريليون دولار من الذكاء الاصطناعي والاستدامة؟
بحسب تقرير أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع شركة «باين آند كومباني»، تتوزع القيمة الاقتصادية المحتملة على مجموعة من المجالات المرتبطة بالتمويل والاستثمار والطاقة وحماية الأصول.
وتشمل التقديرات توفير ما يصل إلى 200 مليار دولار من التمويل المستدام عبر القطاع المالي، إلى جانب 370 مليار دولار من تدفقات الاستثمارات المستدامة التي يتيحها القطاع العام.
كما يمكن أن تسهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي والاستدامة في تجنب خسائر تقدر بنحو 250 مليار دولار في الأصول طويلة الأجل، ورفع تقييمات قطاع الطاقة بنحو 90 مليار دولار نتيجة تحسين أداء الاستدامة، فضلًا عن إطلاق مشروعات مستدامة بقيمة 100 مليار دولار من خلال الشراكات بين القطاعات المختلفة.
وتعكس هذه التقديرات حجم الفرص المتاحة أمام اقتصادات المنطقة، لكنها تظل مرتبطة بمدى القدرة على تحويل الاستخدامات النظرية والتجريبية للتكنولوجيا إلى تطبيقات عملية تحقق نتائج اقتصادية وبيئية قابلة للقياس.
فجوة بين الإمكانات والتطبيق الفعلي
على الرغم من التفاؤل بشأن دور الذكاء الاصطناعي في دعم الاستدامة، لا تزال هناك فجوة بين الإمكانات المتوقعة ومستوى التطبيق داخل المؤسسات.
ووفق استطلاع للمنتدى الاقتصادي العالمي، يرى 89% من مسؤولي الاستدامة المشاركين أن الذكاء الاصطناعي يمتلك إمكانات مرتفعة أو مرتفعة جدًا لدعم أهداف الاستدامة، في حين تتراوح نسبة المؤسسات التي وصفت تبنيها لتطبيقات الذكاء الاصطناعي المستدامة بأنه في المرحلة التجريبية أو مرحلة التوسع بين 40% و55%، بحسب نوع التطبيق.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن التحدي لا يتعلق فقط بتوافر التكنولوجيا، بل بقدرة المؤسسات على دمجها في عملياتها الأساسية، وتوفير البيانات عالية الجودة، وتحديد المجالات التي يمكن أن تحقق فيها أعلى قيمة مضافة.
وترى غودمان أن التنسيق بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات المعنية يمثل عنصرًا ضروريًا لتسريع التطبيق وتوفير البنية التحتية والموارد اللازمة للتوسع.
الطاقة والمياه تحديان رئيسيان أمام مراكز البيانات
يمثل التوسع في مراكز البيانات أحد المحاور الأساسية لخطط تطوير الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكنه يفرض ضغوطًا متزايدة على أنظمة الطاقة والمياه، خصوصًا في ظل ارتفاع درجات الحرارة في أجزاء واسعة من المنطقة.
وحذرت غودمان من ضرورة مراعاة الظروف المناخية والبيئية عند تصميم البنية التحتية الجديدة، مع إيلاء اهتمام خاص لاستدامة الموارد المائية وكفاءة أنظمة التبريد المستخدمة في مراكز البيانات.
وبحسب تقرير آخر للمنتدى الاقتصادي العالمي، أُعد بالتعاون مع المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام، يمكن ربط مراكز بيانات جديدة بشبكات الكهرباء في المنطقة خلال فترة تتراوح بين عامين وخمسة أعوام، مقارنة بأكثر من عشر سنوات في بعض الأسواق الناضجة.
لكن التقرير يشير إلى أن أنظمة التبريد قد تستحوذ على أكثر من 40% من إجمالي استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات عالميًا، فيما تؤدي درجات الحرارة المرتفعة في المنطقة إلى زيادة احتياجات التبريد.
ويحذر ذلك من أن المزايا التي تتمتع بها المنطقة في مجالات الطاقة والشبكات قد تتراجع إذا لم تتمكن مراكز البيانات من إدارة تقلبات الطلب بكفاءة، دون التأثير في استقرار إمدادات الكهرباء والمياه.
السعودية والإمارات وقطر تقود سباق الذكاء الاصطناعي
حددت غودمان السعودية والإمارات وقطر باعتبارها الدول الأكثر تقدمًا في المنطقة بمجال تطوير الذكاء الاصطناعي، مستندة إلى امتلاكها استراتيجيات وطنية متكاملة وقدرة على تبني خطط طويلة الأجل لتنويع اقتصاداتها وتعزيز الأنشطة غير النفطية.
وتوقعت أن تتركز المرحلة الأولى من التوسع على ثلاثة مجالات رئيسية، هي مراكز البيانات، وأنظمة الطاقة اللازمة لتشغيلها، ومصانع الرقائق الإلكترونية، على أن تمتد آثار هذه الاستثمارات تدريجيًا إلى قطاعات اقتصادية أخرى.
وتواصل السعودية والإمارات تنفيذ مشروعات للبنية التحتية الحاسوبية تتجاوز قدرتها، وفق الأرقام الواردة في التقرير، 11 غيغاواط. وتستهدف السعودية توفير أكثر من 12 غيغاواط من الطاقة و20 كابلًا بحريًا بحلول عام 2030.
كما تخطط شركة «هيوماين»، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، لتشغيل مراكز بيانات بقدرة 250 ميغاواط بنهاية عام 2026، على أن ترتفع القدرة إلى غيغاواط واحد خلال عام 2027.
أما قطر، فأطلقت في عام 2025 شركة «كاي» (Qai)، وهي شركة وطنية للذكاء الاصطناعي تتبع جهاز قطر للاستثمار، في خطوة تستهدف تسريع حضور الدولة في سباق الذكاء الاصطناعي الإقليمي.
وتعكس هذه التحركات اتجاهًا متزايدًا نحو الاستثمار في البنية التحتية والقدرات التقنية، بما يدعم فرص المنطقة في جذب الاستثمارات وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية المختلفة.
أمن الطاقة يحدد قدرة المنطقة على المنافسة عالميًا
تعتبر موثوقية إمدادات الطاقة وإمكانية الحصول عليها من العوامل الحاسمة في المنافسة العالمية على تطوير الذكاء الاصطناعي، خصوصًا مع ارتفاع احتياجات مراكز البيانات من الكهرباء واستمرار التوسع في تشغيل النماذج المتقدمة.
وأوضحت غودمان أن الأبحاث التي يعمل عليها المنتدى الاقتصادي العالمي تركز على مسارين متكاملين؛ الأول تحسين أنظمة الطاقة لتلبية احتياجات الذكاء الاصطناعي من خلال رفع كفاءة شبكات الكهرباء وتطوير حلول التبريد وتحسين استخدام المياه، والثاني توظيف الذكاء الاصطناعي نفسه للحد من هدر الطاقة وتقليل الفواقد.
ويعني ذلك أن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والاستدامة لا تقتصر على توفير الموارد اللازمة لتشغيل التكنولوجيا، بل تشمل أيضًا استخدام التطبيقات الذكية لتحسين كفاءة استهلاك الطاقة والموارد في القطاعات المختلفة.
شروط تحويل الفرصة الاقتصادية إلى مكاسب مستدامة
يتوقف تحقيق أكثر من تريليون دولار من القيمة الاقتصادية المحتملة على قدرة دول المنطقة على الانتقال من التجارب المحدودة إلى الاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعي، وتحسين جودة البيانات، وتوفير الطاقة والمياه، وتطوير حلول تبريد تتناسب مع الظروف المناخية المحلية.
كما يتطلب الأمر تعزيز التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات المالية، بما يضمن توجيه الاستثمارات إلى مشروعات قادرة على تحقيق عوائد اقتصادية وبيئية ملموسة.
وبينما تمتلك السعودية والإمارات وقطر مقومات متقدمة لدفع هذا التحول، فإن المنافسة العالمية ستعتمد على مدى نجاح دول المنطقة في الجمع بين البنية التحتية القوية وكفاءة استخدام الموارد والقدرة على تحويل التكنولوجيا إلى قيمة اقتصادية مستدامة.




