الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا جديدة لعلاج السرطان.. تقرير

يشهد مجال علاج السرطان تحولًا متسارعًا مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات ومراكز الأبحاث، بعدما أصبحت قادرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات الطبية، والمساعدة في اكتشاف الأورام، والتنبؤ باستجابة المرضى للعلاجات، وتسريع تطوير الأدوية. وتمنح هذه التقنيات الأطباء أدوات جديدة لفهم طبيعة المرض لدى كل مريض، بما يدعم التوجه نحو علاجات أكثر دقة وتخصيصًا.

ولا تقتصر أهمية الذكاء الاصطناعي على اكتشاف السرطان في مراحله المبكرة، بل تمتد إلى مراحل التشخيص واختيار العلاج ومتابعة تطور الورم، في وقت لا تزال فيه الأبحاث تسعى إلى إثبات مدى تأثير هذه التطبيقات على فرص النجاة وجودة حياة المرضى على نطاق واسع.

الذكاء الاصطناعي يعزز اكتشاف الأورام وتشخيصها

يُعد تحليل الصور الطبية من أبرز مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي في مكافحة السرطان، إذ تستطيع الخوارزميات فحص صور الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي والماموجرام، إلى جانب تحليل عينات الأنسجة الرقمية، للمساعدة في تحديد المناطق المشتبه في احتوائها على خلايا سرطانية.

ويمكن لهذه الأدوات لفت انتباه الأطباء إلى تغيرات دقيقة قد يصعب رصدها بالعين المجردة، كما تساعد في تصنيف الأورام وتحديد بعض المؤشرات الحيوية المرتبطة بها. ومع ذلك، تظل نتائج الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة تحتاج إلى التقييم الطبي، ولا تغني عن الفحوص المعتمدة أو مراجعة المتخصصين.

علاج شخصي يناسب طبيعة الورم

من أبرز التحولات التي يدعمها الذكاء الاصطناعي الانتقال من الاعتماد على بروتوكولات علاجية متشابهة إلى اختيار العلاج وفق الخصائص البيولوجية والجينية للورم، ومدى استجابة المريض المحتملة للأدوية المختلفة.

وتستطيع الأنظمة المتقدمة تحليل بيانات متعددة، تشمل الطفرات الجينية وصور الأنسجة والسجلات الطبية، للمساعدة في تحديد المؤشرات التي قد ترتبط بنجاح علاج معين. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في العلاج المناعي، الذي يعتمد على تحفيز جهاز المناعة لمهاجمة الخلايا السرطانية، إذ لا يستجيب جميع المرضى للعلاج بالطريقة نفسها.

وفي فبراير 2025، أعلن المعهد الوطني الأمريكي للسرطان عن أبحاث تستخدم أداة ذكاء اصطناعي تُعرف باسم «SCORPIO»، وأظهرت الدراسة قدرة الأداة على التنبؤ باستجابة أورام المرضى للعلاجات المناعية المثبطة لنقاط التفتيش المناعية، بدقة أكبر من بعض الاختبارات المتاحة للمقارنة في الدراسة. ويمثل ذلك اتجاهًا بحثيًا مهمًا نحو مساعدة الأطباء على تحديد المرضى الأكثر احتمالًا للاستفادة من العلاج، مع ضرورة تقييم النتائج في سياقات سريرية مختلفة.

تسريع اكتشاف أدوية جديدة للسرطان

يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى المختبرات، حيث تُستخدم نماذجه لتحليل المركبات الكيميائية، والتنبؤ بتفاعلها مع أهداف بيولوجية محددة، وترشيح المواد التي تستحق الانتقال إلى مراحل الاختبار التالية.

ويمكن لهذه الأدوات أن تقلص الوقت اللازم لفحص عدد كبير من المركبات، وتساعد الباحثين في تحديد أهداف دوائية جديدة أو اكتشاف استخدامات محتملة لأدوية موجودة بالفعل. كما تُستخدم في دراسة الطفرات السرطانية والتعرف على مؤشرات حيوية قد تسهم في تطوير علاجات أكثر استهدافًا.

لكن اكتشاف مركب واعد باستخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني أنه أصبح علاجًا فعالًا أو آمنًا؛ إذ يظل بحاجة إلى اختبارات مخبرية ودراسات قبل سريرية وتجارب سريرية لتحديد سلامته وفاعليته والجرعات المناسبة منه.

دور الذكاء الاصطناعي في العلاج الإشعاعي والمتابعة

يساعد الذكاء الاصطناعي كذلك في تخطيط العلاج الإشعاعي، من خلال تحديد حدود الورم والأعضاء المجاورة والمساهمة في إعداد خطط تستهدف المنطقة المصابة بدقة، مع محاولة تقليل تعرض الأنسجة السليمة للإشعاع.

كما يمكن استخدامه لتحليل صور المتابعة والبيانات السريرية، بهدف رصد التغيرات التي قد تشير إلى استجابة الورم للعلاج أو عودته، وتقدير المخاطر التي تستدعي متابعة أكثر كثافة. وتختلف موثوقية هذه التطبيقات بحسب نوع السرطان والأداة المستخدمة والأدلة السريرية المتاحة، لذلك لا يمكن تعميم نتائج نموذج واحد على جميع المرضى.

تحديات أمام تحويل الابتكارات إلى علاجات معتمدة

على الرغم من التقدم المتسارع، تواجه تطبيقات الذكاء الاصطناعي في علاج السرطان تحديات مهمة، أبرزها جودة البيانات المستخدمة في التدريب، واحتمال تأثر النتائج بالتحيزات الموجودة في بيانات المرضى، وصعوبة تفسير بعض القرارات التي تنتجها النماذج.

وتشمل التحديات أيضًا حماية الخصوصية، وتكلفة دمج التقنيات الجديدة في المستشفيات، والحاجة إلى التحقق من أدائها على مجموعات متنوعة من المرضى وفي ظروف سريرية واقعية. كما أن نجاح النموذج في تحليل الصور أو توقع الاستجابة لا يثبت وحده أنه سيحسن معدلات البقاء على قيد الحياة.

وتؤكد هذه التحديات أهمية إخضاع الأدوات الطبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للتقييم العلمي والرقابي، مع الحفاظ على دور الأطباء في اتخاذ القرارات العلاجية ومناقشة الخيارات مع المرضى.

هل يصبح الذكاء الاصطناعي مفتاحًا لعلاج السرطان؟

تشير التطورات الحالية إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في جعل تشخيص السرطان وعلاجه أكثر دقة، من خلال تحسين تحليل البيانات الطبية، ودعم اختيار العلاج المناسب، وتسريع الأبحاث الدوائية. لكن هذه الطفرة لا تعني الوصول إلى علاج موحد لجميع أنواع السرطان، ولا تعني أن التقنيات الجديدة قادرة بمفردها على القضاء على المرض.

وتكمن القيمة الحقيقية لهذه الأدوات في تكاملها مع خبرة الأطباء والتجارب السريرية والطب الدقيق، بما يساعد على اتخاذ قرارات علاجية تستند إلى أدلة أفضل. ومع استمرار الأبحاث، سيظل الاختبار الأهم هو إثبات أن استخدام الذكاء الاصطناعي يحقق فوائد ملموسة للمرضى، وليس مجرد تحسين النتائج التقنية داخل المختبرات.

 

إبراهيم مصطفى
إبراهيم مصطفى
المقالات: 1610

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *