وأظهرت الاختبارات الواردة في التقارير أن بعض النماذج تمكنت من تحقيق دقة تصل إلى 97.9% في مهام ترجمة الشيفرات البرمجية عند استخدام مستويات أعلى من قدرات الاستدلال، مع الحفاظ على القواعد الحسابية وسلوك البرامج الأصلية. وقد يسهم هذا التطور في تقليل الوقت والتكاليف المرتبطة بتحديث البنية التحتية الرقمية، خاصة في المؤسسات التي تعتمد على أنظمة يصعب تطويرها بالوسائل التقليدية.
وتكتسب هذه القدرات أهمية متزايدة في ظل استمرار استخدام لغات برمجة قديمة في قطاعات مصرفية وحكومية وصناعية، إذ يتطلب تحديثها فهمًا دقيقًا للشيفرات المتراكمة على مدى سنوات، والتي قد تفتقر إلى التوثيق الكافي، فضلًا عن المخاطر الناتجة عن أي تغيير غير مدروس.
لغات البرمجة القديمة لا تزال تدير أنظمة مالية حيوية
رغم مرور عقود على ظهور لغات مثل COBOL وFortran وVisual Basic، لا تزال هذه اللغات مستخدمة في تشغيل أنظمة مالية وحكومية وعلمية، ما يجعل تحديثها تحديًا تقنيًا أمام المؤسسات التي تعتمد عليها.
ووفقًا للمعلومات التي نقلتها تقارير تقنية عن إعلان أوبن إيه آي، لا تزال لغة COBOL تؤدي دورًا مهمًا في البنية التحتية المصرفية، بما يشمل أنظمة معالجة المعاملات والخدمات المالية. كما تُستخدم لغة Fortran في الحسابات العلمية المعقدة، ومنها النماذج المستخدمة في التنبؤ بالطقس ومحاكاة بعض الأنظمة الهندسية والفيزيائية.
وتكمن الصعوبة في أن هذه البرامج قد تحتوي على قواعد تشغيل تراكمت عبر سنوات طويلة، ولا تتوافر دائمًا وثائق تشرح جميع تفاصيلها. لذلك، فإن تحويلها إلى لغات حديثة يتطلب أكثر من مجرد استبدال الأوامر البرمجية، إذ يجب التأكد من استمرار عملها بالطريقة نفسها بعد التحديث.
اختبار MultiLangBench يكشف تطور قدرات GPT-6
لقياس مدى قدرة النماذج الجديدة على التعامل مع لغات البرمجة المختلفة، طورت أوبن إيه آي معيارًا للاختبار يحمل اسم MultiLangBench، يتضمن مهمة إنشاء محرك قواعد بيانات من الصفر باستخدام 20 لغة برمجة.
وبحسب النتائج المنشورة، حقق نموذج GPT-6 Astra متوسط نجاح بلغ 87.4%، مقارنة بـ26.8% للجيل السابق، في مؤشر على تحسن قدرته على التعامل مع لغات برمجة أقل شيوعًا.
وسجل النموذج تقدمًا في لغة COBOL، إذ ارتفعت نتيجة الاختبار من 10.9% إلى 72.1%، بينما وصلت النتيجة في لغة Fortran إلى 83.5%.
وتشير هذه الأرقام إلى تحسن قدرة النماذج على فهم بنية البرامج المكتوبة بلغات قديمة، والتعامل مع قواعدها البرمجية، حتى في الحالات التي يصعب فيها العثور على وثائق تفصيلية تشرح طريقة عملها.
دقة ترجمة الشيفرات تصل إلى 97.9%
تظهر أهمية التطور بصورة أوضح عند نقل البرامج من لغات قديمة إلى لغات حديثة مثل Python وJava وC++ وKotlin وRust، إذ يمكن لهذه العملية أن تساعد المؤسسات على تطوير أنظمتها دون الحاجة إلى إعادة بنائها بالكامل من البداية.
وأظهرت النتائج الواردة في التقرير أن نموذج GPT-6.1 Sol حقق دقة بلغت 86.6% في ترجمة الشيفرات عند استخدام مستوى منخفض من قدرات الاستدلال، مقابل 5.4% للنموذج الأقدم GPT-5.6 Sol.
وعند رفع مستوى الاستدلال، ارتفعت الدقة إلى 97.9%، وفقًا للنتائج المنشورة. وشملت القدرات التي تناولتها الاختبارات التعامل مع قواعد برمجية دقيقة، مثل آليات التقريب الحسابي وطريقة معالجة البيانات المفقودة.
وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة في الأنظمة المالية، لأن اختلافًا بسيطًا في طريقة تقريب الأرقام أو التعامل مع البيانات غير المتاحة قد يؤدي إلى نتائج حسابية مختلفة، حتى إذا بدت الشيفرة الجديدة صحيحة من الناحية الفنية.
ومن ثم، فإن نجاح عملية التحديث لا يقاس فقط بقدرة النموذج على إنتاج شيفرة حديثة، بل بمدى حفاظ البرنامج الجديد على سلوك النظام الأصلي ودقة نتائجه.
كيف يساعد الذكاء الاصطناعي البنوك على تحديث أنظمتها؟
يمكن أن تسهم نماذج الذكاء الاصطناعي في تسريع عمليات تحديث الأنظمة المصرفية من خلال تحليل الشيفرات القديمة وشرح وظائفها، وتحديد الأجزاء التي تحتاج إلى تطوير، واقتراح تحويلها إلى لغات حديثة، فضلًا عن المساعدة في إعداد الاختبارات اللازمة للتحقق من سلامة التغييرات.
ويساعد ذلك على تقليل الوقت الذي يقضيه مهندسو البرمجيات في فهم أنظمة معقدة كُتبت قبل سنوات طويلة، وقد يحد من بعض التكاليف المرتبطة بالصيانة والتحديث التدريجي للبنية التحتية الرقمية.
كما يمكن استخدام هذه الأدوات لتوثيق أجزاء من البرامج القديمة التي تفتقر إلى الشروحات الكافية، ما يسهل على فرق التطوير فهمها وصيانتها مستقبلًا.
ومع ذلك، تختلف النتائج الفعلية بحسب طبيعة النظام وتعقيده، ومدى توافر الاختبارات والوثائق، ولذلك لا تعني نسب الدقة المسجلة في الاختبارات أن جميع الأنظمة المصرفية يمكن تحديثها بالمستوى نفسه من النجاح.
لماذا تظل المراجعة البشرية ضرورية؟
على الرغم من النتائج الواعدة، لا يعني التقدم الذي حققته نماذج الذكاء الاصطناعي إمكانية الاستغناء عن مهندسي البرمجيات في عمليات تحديث الأنظمة الحيوية.
فلا تزال المؤسسات بحاجة إلى متخصصين لمراجعة الشيفرات الناتجة، والتحقق من دقتها، واختبارها في ظروف تشغيل متنوعة قبل اعتمادها في بيئات الإنتاج، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمعاملات المالية والأنظمة التي تتطلب مستويات مرتفعة من الاعتمادية.
كما أن اجتياز اختبار برمجي لا يضمن خلو البرنامج من الأخطاء في جميع الحالات، أو توافقه الكامل مع الأنظمة الأخرى التي يعتمد عليها. ولهذا، ينبغي أن تمر عمليات التحديث بمراحل مراجعة واختبار دقيقة قبل نقلها إلى الاستخدام الفعلي.
وفي المحصلة، تفتح قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة مجالًا لتسريع تحديث الأنظمة البرمجية القديمة، وتقليل جانب من الأعباء التقنية التي تواجه البنوك والمؤسسات الكبرى. لكن الاستفادة الكاملة من هذه الإمكانات ستظل مرتبطة بقدرة المؤسسات على الجمع بين الأتمتة والمراجعة الهندسية والاختبارات الصارمة لضمان سلامة الأنظمة واستمرار عملها بكفاءة.




