تتجه شركة مايكروسوفت إلى زيادة الاعتماد على رقائق الذكاء الاصطناعي التي تطورها داخليًا، في خطوة تستهدف تقليل الاعتماد على معالجات إنفيديا، وتحسين كفاءة تشغيل مراكز البيانات، وخفض تكاليف البنية التحتية اللازمة لتشغيل النماذج الذكية. وتراهن الشركة على الجيل الجديد من مسرّعات Maia لتعزيز قدراتها الحاسوبية وتوسيع استخدام رقائقها الخاصة في خدماتها السحابية وتطبيقاتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تزايد الطلب العالمي على المعالجات المتقدمة، واشتداد المنافسة بين شركات التكنولوجيا الكبرى لتأمين احتياجاتها من القدرة الحاسوبية، مع الحفاظ على كفاءة استهلاك الطاقة وتحسين هوامش الربح.
رقائق Maia تعزز استراتيجية مايكروسوفت في الذكاء الاصطناعي
تستعد مايكروسوفت لتوسيع استخدام الجيل الثالث من مسرّعات الذكاء الاصطناعي Maia، الذي كشفت عنه في أكتوبر 2026، ليشكل خطوة جديدة نحو الاعتماد بصورة أكبر على الرقائق المطورة داخليًا في معالجة الطلبات وتشغيل الخدمات الذكية.
وتستند الشركة إلى منظومتها السحابية Azure، التي توفر البنية التحتية اللازمة لتشغيل مجموعة متنوعة من نماذج الذكاء الاصطناعي لعملائها، إلى جانب تطبيقات مثل Microsoft 365 Copilot وGitHub Copilot، التي تستهدف مساعدة الموظفين ومطوري البرمجيات على إنجاز المهام بكفاءة أكبر.
ورغم استثماراتها المتزايدة في تطوير الرقائق والنماذج الخاصة بها، لا تزال مايكروسوفت تواجه منافسة قوية من شركات مثل OpenAI وأنثروبيك وغوغل في سوق الذكاء الاصطناعي.
الطلب المتزايد على الرقائق يفتح المجال أمام المنافسة
يمثل النمو المتواصل في الطلب على معالجات الذكاء الاصطناعي فرصة أمام مايكروسوفت لتقليل اعتمادها على الموردين الخارجيين وتنويع مصادر قدراتها الحاسوبية، خصوصًا في ظل استمرار هيمنة وحدات معالجة الرسومات التي تنتجها إنفيديا على جانب كبير من سوق الذكاء الاصطناعي.
وتُستخدم معالجات إنفيديا على نطاق واسع في مراكز بيانات مايكروسوفت، كما تعتمد عليها شركات بارزة، من بينها OpenAI وأنثروبيك، في تدريب النماذج وتشغيل التطبيقات المتقدمة.
لكن المنافسة بدأت تتجه نحو تنويع الخيارات، مع توسع شركات التكنولوجيا في تطوير معالجاتها الخاصة أو الاستعانة ببدائل تقدمها شركات مثل أمازون وAMD وغوغل وCerebras.
وتعتمد مايكروسوفت بالفعل على وحدات معالجة مركزية تطورها داخليًا، إلى جانب معالجات من إنتل وAMD. وأوضحت إيمي هود، المديرة المالية للشركة، أن استخدام الرقائق الخاصة ساهم في تحسين هوامش الربح على مدار السنوات العشر الماضية.
ثلاثة أجيال من رقائق Maia منذ 2023
بدأت مايكروسوفت مسيرتها في تطوير مسرّعات الذكاء الاصطناعي بإطلاق Maia 100 عام 2023، ثم كشفت عن Maia 200 في يناير 2026، قبل الإعلان عن الجيل الثالث Maia 300.
وكان الرئيس التنفيذي للشركة، ساتيا ناديلا، قد أشار في يوليو الماضي إلى أن Maia 200 يوفر أداءً أفضل بنسبة 30% مقابل كل دولار مقارنة بأحدث جيل من المعدات المستخدمة في أسطول مراكز بيانات مايكروسوفت، موضحًا أن الرقاقة تُستخدم في تشغيل نماذج OpenAI.
ومن المقرر أن يبدأ إنتاج Maia 300 خلال عام 2027، فيما تستهدف الشركة نشر رقائق عائلة Maia على نطاق واسع، بقدرات حاسوبية تصل إلى عدة غيغاواط، وفقًا لما أورده سكوت غاثري، نائب الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت.
ومع ذلك، لم تحدد الشركة موعدًا نهائيًا لتوسيع نشر الرقائق الجديدة على نطاق واسع، في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها قطاع الذكاء الاصطناعي، والحاجة إلى اختيار المعالجات الأكثر ملاءمة لكل نموذج واستخدام.
Maia 300 تضاعف عدد الرقائق وتحسن كفاءة الطاقة
تخطط مايكروسوفت لتجهيز كل رف في مراكز البيانات بـ96 رقاقة من طراز Maia 300، مقارنة بالعدد الذي يمكن استيعابه باستخدام الجيل السابق Maia 200، بما يعادل ضعف السعة من حيث عدد الرقائق.
ووفقًا للشركة، يمكن للجيل الجديد معالجة ما يصل إلى سبعة أضعاف عدد رموز الذكاء الاصطناعي، المعروفة باسم Tokens، لكل رف مقارنة بالجيل السابق، مع تحقيق زيادة تصل إلى 40% في عدد الرموز المعالجة لكل ميغاواط من الطاقة مقارنة بوحدات معالجة الرسومات.
وتعكس هذه التحسينات توجه مايكروسوفت إلى تطوير معماريات حاسوبية أكثر كفاءة، قادرة على تقديم أداء مرتفع مع تقليل استهلاك الطاقة، الذي يمثل أحد أبرز عناصر التكلفة التشغيلية لمراكز البيانات.
ومن المتوقع أن تستفيد بعض وظائف Microsoft 365 Copilot من التحسينات التي تقدمها Maia 300، بما يدعم قدرة الشركة على تشغيل تطبيقاتها الذكية بكفاءة أكبر.
رقائق مايكروسوفت قد تستحوذ على 10% من إنفاق الذكاء الاصطناعي
توقع محللو شركة Evercore ISI أن تمثل رقائق Maia نحو 10% من إجمالي إنفاق مايكروسوفت على رقائق الذكاء الاصطناعي بحلول الربع الأول من عام 2027، وفقًا لمذكرة وُزعت على العملاء.
وتعكس هذه التقديرات إمكانية تحول الرقائق المطورة داخليًا إلى عنصر مؤثر في استراتيجية الشركة الاستثمارية، خاصة مع ارتفاع تكاليف شراء المعالجات المتقدمة وتشغيل مراكز البيانات.
وأوصى محللو الشركة بشراء أسهم مايكروسوفت، في إشارة إلى نظرتهم الإيجابية لآفاق أعمالها.
لكن التوسع في استخدام Maia لا يعني أن مايكروسوفت ستتخلى عن إنفيديا، التي ستظل شريكًا رئيسيًا في منظومتها التقنية. فقد شارك جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لإنفيديا، في فعالية لمايكروسوفت الأسبوع الماضي شهدت الكشف عن حاسوب محمول من سلسلة Surface مزود بمعالج من إنفيديا.
كما أكدت مايكروسوفت استمرار تعاونها مع إنفيديا وAMD في مجال تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يشير إلى أن استراتيجية الشركة تقوم على تنويع مصادر المعالجة، وليس الاستغناء الكامل عن الموردين الحاليين.
لماذا لا تتيح مايكروسوفت رقائق Maia للشركات الأخرى؟
تختلف استراتيجية مايكروسوفت عن نهج غوغل وأمازون في إتاحة المعالجات المطورة داخليًا للاستخدام الخارجي. فغوغل توفر وحدات معالجة الموترات TPU، بينما تقدم أمازون رقائق Inferentia وTrainium ضمن خدماتها السحابية.
أما مايكروسوفت، فلا تتيح حتى الآن استئجار مسرّعات Maia الخاصة بها لشركات أخرى مقابل رسوم محسوبة بالساعة، وهو ما يحد من إمكانية تقييم انتشارها خارج منظومة الشركة.
وقال باتريك مورهيد، الرئيس التنفيذي لشركة Moor Insights and Strategy للاستشارات التقنية، إن رقائق Maia لم تخضع حتى الآن للاختبار خارج بيئة مايكروسوفت، ما يترك أسئلة بشأن أدائها ومدى قدرتها على المنافسة في بيئات تشغيل متنوعة.
ويعكس هذا التوجه رغبة مايكروسوفت في توظيف الرقائق الجديدة أولًا لدعم خدماتها ومنصاتها، بدلًا من تحويلها في الوقت الحالي إلى منتج مستقل موجه إلى السوق.
مستقبل المنافسة بين مايكروسوفت وإنفيديا في سوق الذكاء الاصطناعي
تؤكد استثمارات مايكروسوفت في رقائق Maia أن المنافسة في قطاع الذكاء الاصطناعي لم تعد مقتصرة على تطوير النماذج والتطبيقات، بل امتدت إلى تصميم المعالجات وتأمين البنية التحتية اللازمة لتشغيلها.
وتسعى الشركة إلى تحقيق توازن بين استخدام معالجات إنفيديا وAMD وتوسيع الاعتماد على رقائقها الخاصة، بهدف تحسين الأداء وتقليل التكاليف ورفع كفاءة استهلاك الطاقة.
ومع بدء إنتاج Maia 300 المتوقع في 2027، ستتوقف أهمية هذه الخطوة على قدرة مايكروسوفت على نشر الرقائق بأعداد كبيرة، وتحقيق التحسينات المعلنة في الأداء والتكلفة، وتلبية الاحتياجات المتزايدة لخدمات Azure وCopilot.
وبذلك، لا يبدو أن مايكروسوفت تستهدف إنهاء اعتمادها على إنفيديا، بقدر ما تسعى إلى بناء منظومة أكثر تنوعًا ومرونة، تمنحها تحكمًا أكبر في تكاليف الذكاء الاصطناعي وقدراته التشغيلية خلال السنوات المقبلة.




