شركات ناشئة تراهن على الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمستقبل

تتسابق شركات ناشئة لتطوير أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالأحداث المستقبلية، من تحركات أسواق الأسهم وأسعار النفط إلى التطورات السياسية والقرارات التنظيمية، وسط مؤشرات على قدرة بعض النماذج على منافسة أكثر الخبراء دقة في التوقعات.

وتستند هذه الأدوات إلى تحليل كميات ضخمة من البيانات والمعلومات، بهدف تقدير احتمالات وقوع الأحداث ومقارنة السيناريوهات المختلفة، ما يفتح المجال أمام استخدامها في الاستثمار وإدارة المخاطر وصنع القرار، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن مستقبل المتنبئين البشريين ومدى تأثير هذه التقنيات على الأسواق العالمية.

الذكاء الاصطناعي ينافس أفضل خبراء التنبؤ بالمستقبل

تسعى شركات مثل FutureSearch وPreseen وMantic إلى الاستفادة من تطور نماذج الذكاء الاصطناعي في تقديم توقعات أكثر دقة بشأن الأحداث المستقبلية، مستفيدة من قدرتها على جمع المعلومات وتحليل البيانات من مصادر عامة وخاصة.

وبحسب وكالة فرانس برس، بات أداء بعض نماذج التنبؤ بالذكاء الاصطناعي يضاهي أداء ما يُعرف بـ«المتنبئين الخارقين»، وهم أشخاص يتمتعون بقدرة استثنائية على تقدير احتمالات وقوع الأحداث، وتقديم توقعات تتجاوز في دقتها متوسط تقديرات الجمهور.

وفي مطلع سبتمبر 2026، حقق نموذجان للذكاء الاصطناعي المركزين الأول والثاني في مسابقة Metaculus Cup، التي تجمع متنافسين من البشر والأنظمة الذكية في مجال التنبؤ بالأحداث.

وتعزز هذه النتائج الاهتمام بإمكانات الذكاء الاصطناعي في تحليل السيناريوهات المستقبلية، وإن كانت دقة التوقعات تختلف باختلاف طبيعة الأحداث والبيانات المتاحة.

شركات الذكاء الاصطناعي تراهن على تغيير أساليب اتخاذ القرار

يرى دان شوارتز، الشريك المؤسس لشركة FutureSearch، أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي قد يغير جذريًا طريقة اتخاذ القرارات خلال السنوات المقبلة، مع انتقال المؤسسات من الاعتماد الأساسي على التقديرات البشرية إلى الاستعانة بتحليلات آلية أكثر شمولًا.

وتعتمد هذه الرؤية على قدرة الأنظمة الذكية على معالجة كم كبير من المعلومات في وقت قصير، وربط الأحداث ببعضها، وتقدير احتمالات متعددة بدلًا من الاكتفاء بتوقع واحد.

وبحسب شوارتز، بدأ المتنبئون المحترفون يدركون أن المنافسة مع النماذج المتطورة قد تصبح أكثر صعوبة على المدى المتوسط، مع استمرار تحسن قدرات الأنظمة في تحليل المعلومات وتقييم السيناريوهات.

كيف حقق الذكاء الاصطناعي مكاسب في أسواق التوقعات؟

تُظهر تجربة تيو سامر، الشريك المؤسس لشركة Preseen، جانبًا من الإمكانات التي تجذب المستثمرين إلى أدوات التنبؤ المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

ووفقًا للتقرير، استخدم سامر هذه الأدوات لتحويل 35 دولارًا إلى 1.9 مليون دولار خلال سبعة أشهر على منصة Kalshi الأميركية لأسواق التوقعات.

ولا تعني هذه التجربة أن الذكاء الاصطناعي يضمن تحقيق أرباح مماثلة، بل تعكس حالة استثنائية أوردها التقرير، ولا تكفي وحدها لإثبات إمكانية تكرار النتائج أو تحقيق عوائد مستقرة باستخدام هذه التقنيات.

وتقوم الفكرة الأساسية لأسواق التوقعات على تقدير احتمال وقوع حدث معين، ثم الاستفادة من التغيرات في هذه الاحتمالات عند ظهور معلومات جديدة. ويمكن للأنظمة الذكية تحليل أحداث مترابطة، مثل تطورات الصراع في الشرق الأوسط وتحركات أسعار النفط، لفهم التأثيرات المحتملة لكل منها.

أسواق التوقعات تتحول إلى ساحة للمنافسة بين الخوارزميات

أصبحت منصات مثل Kalshi وPolymarket من أبرز المجالات التي تتقاطع فيها أدوات الذكاء الاصطناعي مع التوقعات المالية، مع تزايد اهتمام المستخدمين بتقدير نتائج الأحداث السياسية والاقتصادية وغيرها.

وتوفر هذه المنصات بيئة تتغير فيها الاحتمالات وفقًا للمعلومات الجديدة وتوقعات المشاركين، ما يجعل سرعة تحليل البيانات وتقييمها عاملًا مهمًا في اتخاذ القرارات.

وقال فينيامين فيسيلوفسكي، الشريك المؤسس لشركة Preseen، إن صناديق التحوط تُعد من بين الجهات الأسرع في الاستفادة من هذه الفرص، نظرًا إلى قدرتها على التحرك سريعًا عندما ترى إمكانية تحقيق عوائد مالية.

وحذر من أن المستثمرين الأفراد الذين لا يمتلكون أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة قد يجدون صعوبة متزايدة في المنافسة، إذا أصبحت الأنظمة الآلية أكثر انتشارًا وتأثيرًا في أسواق التوقعات.

ومع ذلك، تظل النتائج مرتبطة بجودة البيانات والافتراضات المستخدمة، فضلًا عن تقلبات الأسواق وإمكانية ظهور أحداث غير متوقعة.

الذكاء الاصطناعي يعزز أتمتة التداول في الأسواق المالية

اعتمدت وول ستريت على الخوارزميات في تنفيذ عمليات التداول وتحليل الأسواق لأكثر من عقد، لكن صعود أنظمة التنبؤ القائمة على الذكاء الاصطناعي قد يدفع نحو مرحلة جديدة من الأتمتة.

وتتيح هذه الأنظمة تحليل مجموعة واسعة من المؤشرات الاقتصادية والسياسية، وربطها بالتغيرات المحتملة في أسعار الأصول، بما يساعد المؤسسات المالية على تقييم الفرص والمخاطر بصورة أسرع.

وقال توبي شيفلاين، الشريك المؤسس لشركة Mantic، إن بعض العملاء يستخدمون بالفعل أدوات التنبؤ في دعم قرارات التداول، وإن كان تأثيرها لا يزال محدودًا نسبيًا وفقًا لتقديره.

ولا يقتصر دور هذه التقنيات على توقع اتجاهات السوق، بل يمتد إلى مقارنة السيناريوهات المحتملة وتحديد العوامل التي قد تغير مسار الأحداث، وهو ما قد يعزز دور الذكاء الاصطناعي في العمليات الاستثمارية خلال السنوات المقبلة.

من الأسواق المالية إلى السياسات الحكومية والبحث العلمي

يتجاوز استخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ حدود الاستثمار، مع اتجاه الشركات الناشئة إلى تطوير أدوات تساعد المؤسسات على الاستعداد للتغيرات التنظيمية والسياسية وتقييم المخاطر المستقبلية.

وتقدم شركة Mantic سيناريوهات محتملة للتطورات التنظيمية لصالح شركة أميركية كبرى، كما سبق لها العمل مع الحكومة البريطانية.

وأوضح شيفلاين أن المؤسسات تهتم على نحو متزايد بمتابعة المخاطر وفهم كيفية تطورها، بما يسمح لها بالاستعداد للتغيرات قبل وقوعها.

ويمكن لهذه الأدوات أن تساعد في تحليل تأثير القرارات الحكومية الجديدة على قطاعات اقتصادية بعينها، أو تقدير تداعيات التحولات السياسية على الشركات والاستثمارات.

كما تمتد التطبيقات المحتملة إلى البحث العلمي، بما في ذلك دعم تقييم الخيارات المتعلقة بتمويل العلاجات الطبية، من خلال تحليل الأدلة المتاحة والنتائج المحتملة للبدائل المختلفة، دون أن يحل ذلك محل التقييم العلمي والطبي المتخصص.

كيف تطور نماذج الذكاء الاصطناعي أساليب التنبؤ؟

لم تعد بعض الأنظمة المتقدمة تقتصر على الإجابة عن أسئلة يطرحها المستخدمون بشأن المستقبل، بل أصبحت قادرة على اقتراح أسئلة إضافية تساعد في تحديد العوامل المؤثرة في الأحداث وتقييم الاحتمالات المرتبطة بها.

ووفقًا لشيفلاين، يمكن لهذه النماذج بناء تصورات متعددة للنتائج المحتملة، ثم تحليل الأدلة المتاحة لتقدير فرص تحقق كل سيناريو.

وتكمن أهمية هذه الإمكانية في أنها تساعد على استكشاف علاقات قد يصعب ملاحظتها عند تحليل البيانات بصورة منفصلة، فضلًا عن تحديث التوقعات مع ظهور معلومات جديدة.

لكن هذه القدرات لا تعني أن الأنظمة تستطيع معرفة المستقبل على نحو يقيني؛ إذ تظل توقعاتها عرضة للأخطاء، خصوصًا في الأحداث التي تتأثر بعوامل بشرية أو سياسية متغيرة يصعب قياسها بالكامل.

مخاوف من تفوق القوى الكبرى في تقنيات التنبؤ

رغم الفرص التي توفرها أدوات التنبؤ بالذكاء الاصطناعي، فإن انتشارها يثير مخاوف بشأن تفاوت القدرة على الوصول إلى النماذج المتقدمة، وتأثير ذلك على المنافسة الاقتصادية والمالية.

وأشار فيسيلوفسكي إلى أن هذه التقنيات قد تحقق فوائد كبيرة، لكنه أعرب في الوقت نفسه عن مخاوف من امتلاك دول مثل روسيا والصين أنظمة أكثر تقدمًا في هذا المجال.

وتعكس هذه المخاوف جانبًا من المنافسة الدولية على تطوير الذكاء الاصطناعي، لا سيما في التطبيقات التي يمكن أن تؤثر في القرارات الاقتصادية والاستراتيجية وتقييم المخاطر.

وفي ظل هذا التطور، تبدو أدوات التنبؤ مرشحة لتصبح جزءًا أكثر أهمية من عملية صنع القرار، لكن الاستفادة منها ستظل مرتبطة بالقدرة على التحقق من النتائج، وفهم حدود النماذج، وعدم التعامل مع التوقعات باعتبارها حقائق مؤكدة.

 

يوسف إبراهيم
يوسف إبراهيم
المقالات: 1422

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *