ويعكس هذا التحول تغيرًا في طريقة بحث المستخدمين عن المعلومات، إذ لم يعد الأمر يقتصر على كتابة كلمات مفتاحية في محرك البحث وتصفح النتائج، بل أصبح بالإمكان طرح سؤال مباشر والحصول على إجابة منظمة، ثم استكمال الحوار بأسئلة إضافية اعتمادًا على السياق السابق.
لكن هذا التطور يفتح الباب أمام تحديات تتعلق بدقة المعلومات وشفافية المصادر وحماية البيانات الشخصية، خصوصًا مع تزايد اعتماد المستخدمين على الإجابات الجاهزة التي تنتجها النماذج الذكية.
ميتا تراهن على دمج الذكاء الاصطناعي في تطبيقاتها
تسعى شركة «ميتا» إلى توسيع حضور مساعدها «ميتا إيه آي» عبر واتساب وفيسبوك وإنستغرام وماسنجر، إلى جانب موقع الويب والتطبيق المستقل، لتوفير تجربة موحدة تتيح للمستخدمين البحث عن المعلومات وإنشاء الصور والحصول على توصيات والمساعدة في التسوق والبرمجة وإنجاز المهام اليومية.
وتختلف وظائف المساعد بحسب المنصة، إذ يمكن استخدامه في واتساب لطرح الأسئلة وطلب التوصيات وتوضيح الرسائل، بينما يرتبط في إنستغرام بالمحتوى المرئي والرسائل، ويتيح عبر فيسبوك الوصول إلى المنشورات والمجتمعات.
وتعمل الشركة على تطوير قدرات المساعد لتشمل إعداد الخطط وكتابة المستندات وإنشاء العروض التقديمية وإجراء الأبحاث المنظمة، بما يعزز دور تطبيقاتها باعتبارها منصات متكاملة للخدمات والتجارة الإلكترونية، وليس للمراسلة فقط.
كما تمثل أدوات الذكاء الاصطناعي فرصة لتوسيع الخدمات التجارية، إذ أشارت «ميتا» إلى استخدام أكثر من مليون نشاط تجاري لوكلائها المخصصين للأعمال أسبوعيًا عبر واتساب وماسنجر للتواصل مع العملاء ودعم عمليات البيع.
تلغرام يقدم نموذجًا مختلفًا للمساعدات الذكية
على عكس نهج «ميتا» القائم على دمج المساعد داخل منظومتها، يعتمد تطبيق «تلغرام» على البوتات وواجهات البرمجة التي تتيح للمطورين إنشاء أدوات متنوعة واستدعاءها داخل المحادثات.
ويسمح التطبيق باستخدام بوتات الذكاء الاصطناعي في المحادثات الخاصة والجماعية، إلى جانب أدوات لإنشاء النصوص والصور والإجابة عن الأسئلة وتلخيص المنشورات الطويلة وأتمتة بعض المهام.
ويتيح هذا النموذج للمستخدم الاختيار بين خدمات مختلفة وفق طبيعة المهمة، لكنه يتطلب الانتباه إلى الجهة التي تدير كل بوت، والصلاحيات الممنوحة له، وسياسة التعامل مع البيانات.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين المساعدات الرسمية والخدمات التي يقدمها مطورون مستقلون، إذ لا يعني وجود بوت داخل تطبيق معروف أن الخدمة تتبع الشركة المطورة للتطبيق أو أنها توفر مستوى الحماية نفسه.
كيف تتحول المحادثة إلى بديل لمحركات البحث؟
اعتمد البحث التقليدي لسنوات على كتابة استفسار في محرك البحث، ثم تصفح الروابط ومقارنة الصفحات للوصول إلى المعلومات المطلوبة. أما المساعد الذكي، فيستطيع جمع المعلومات وتلخيصها وصياغة إجابة واحدة، مع السماح للمستخدم بطرح أسئلة متابعة دون البدء من جديد.
وتوفر هذه الطريقة الوقت والجهد، خاصة عند التعامل مع الموضوعات المعقدة أو الوثائق الطويلة، لكنها قد تقلل من فرص زيارة المصادر الأصلية ومقارنة وجهات النظر المختلفة.
وأظهرت بيانات أوردها مركز بيو للأبحاث، استنادًا إلى استطلاع شمل 5119 شخصًا، أن 42% من مستخدمي روبوتات الدردشة يستخدمونها للبحث عن المعلومات.
كما وجد المركز أن المستخدمين كانوا أقل ميلًا إلى النقر على الروابط التقليدية عندما ظهرت ملخصات الذكاء الاصطناعي في نتائج بحث جوجل. وبلغت نسبة النقر على نتائج البحث التقليدية 8% في الصفحات التي تضمنت هذه الملخصات، مقارنة بـ15% في الصفحات التي لم تتضمنها، بينما لم تتجاوز نسبة النقر على الروابط داخل الملخصات نفسها 1%.
وتشير هذه النتائج إلى أن الإجابات المولدة قد تغير العلاقة بين المستخدم والمصدر الأصلي، إذ يحصل على المعلومة داخل واجهة البحث دون الحاجة إلى زيارة الموقع الذي نشرها.
سرعة الإجابة لا تضمن دقة المعلومات
رغم قدرة المساعدات الذكية على تبسيط المعلومات وتلخيص الوثائق والإجابة عن الأسئلة المتتابعة، فإن جودة الإجابة تظل مرتبطة بدقة النموذج والمصادر التي يعتمد عليها وطبيعة المهمة المطلوبة.
وتتمثل إحدى أبرز المشكلات في ما يعرف بـ«هلوسة الذكاء الاصطناعي»، عندما ينتج النظام معلومات غير صحيحة أو اقتباسات مختلقة أو مصادر غير دقيقة، مع تقديمها بصياغة تبدو مقنعة وواثقة.
وقد تؤدي الإجابة الواحدة إلى عرض جانب محدود من الموضوع، بينما تغيب عنها معلومات أو وجهات نظر أخرى قد تظهر عند مقارنة نتائج متعددة من مصادر مستقلة.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع الإجابات المولدة باعتبارها بديلًا مطلقًا للبحث والتحقق، خصوصًا في الموضوعات الطبية والقانونية والمالية، التي قد تترتب على المعلومات الخاطئة فيها عواقب مهمة.
وتشمل الممارسات الأكثر أمانًا فتح الروابط الأصلية، والتحقق من الاقتباسات والأرقام، ومقارنة المعلومات بمصادر موثوقة أخرى، وعدم اتخاذ قرارات حساسة اعتمادًا على إجابة واحدة مهما بدت مكتملة.
الخصوصية.. من يطّلع على محادثات المستخدمين؟
تمثل الخصوصية أحد أبرز التحديات مع انتقال مساعدات الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقات المراسلة الشخصية، إذ قد تتضمن الرسائل الموجهة إليها بيانات حساسة أو معلومات عن العمل والعلاقات والحياة اليومية.
وتختلف ضمانات حماية البيانات من خدمة إلى أخرى، وفقًا لطريقة تشغيل المساعد وشروط الاستخدام وسياسة الاحتفاظ بالمعلومات ومشاركتها.
وفي حالة البوتات التابعة لجهات خارجية، ينبغي عدم افتراض أنها تخضع تلقائيًا لسياسات الخصوصية نفسها التي يوفرها تطبيق الدردشة، إذ قد تتم معالجة الرسائل لدى الجهة المشغلة للبوت وفق شروط مستقلة.
كما أعلنت «ميتا» استخدام تفاعلات المستخدمين مع ميزات الذكاء الاصطناعي ضمن الإشارات التي تساعد في تخصيص المحتوى والإعلانات عبر منصاتها، وهو ما يجعل فهم سياسة استخدام البيانات أمرًا مهمًا قبل مشاركة معلومات شخصية مع المساعد.
ومن الأفضل تجنب إرسال كلمات المرور والبيانات المصرفية والمعلومات الشخصية شديدة الحساسية، ومراجعة الأذونات الممنوحة للتطبيقات والبوتات، والتأكد من هوية الجهة التي تقدم الخدمة.
هل تنتهي هيمنة محركات البحث التقليدية؟
لا يعني انتشار المساعدات الذكية اختفاء محركات البحث، لكنه قد يغير طبيعة المنافسة على الوصول إلى المستخدمين والمعلومات.
فالمحادثة توفر تجربة أكثر تفاعلية، تسمح بطرح أسئلة متابعة وتخصيص الإجابات وفق السياق، بينما يظل البحث التقليدي مفيدًا عند الحاجة إلى استعراض عدد كبير من المصادر ومقارنة المعلومات والاطلاع على وجهات نظر مختلفة.
وقد يتجه المستخدمون إلى الجمع بين الطريقتين، بالاستعانة بالمساعد الذكي لفهم الموضوع بسرعة وتحديد النقاط الأساسية، ثم الرجوع إلى المصادر الأصلية للتحقق والتعمق.
وفي النهاية، لن تتوقف قيمة مساعدات الذكاء الاصطناعي على سرعة الإجابة أو قدرتها على تنفيذ المهام، بل ستعتمد أيضًا على دقة المعلومات ووضوح مصادرها واحترام خصوصية المستخدمين، إلى جانب قدرتها على توضيح حدود معرفتها والامتناع عن تقديم إجابات غير موثوقة.




