الذكاء الاصطناعي في التعليم.. هل تساعد الأدوات الذكية الطلاب أم تضعف قدراتهم؟

يتزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس مع انتشار روبوتات المحادثة والنماذج اللغوية الكبيرة، التي باتت قادرة على مساعدة الطلاب في إعداد الأبحاث والإجابة عن الأسئلة وإنجاز الواجبات. لكن هذا التوسع يثير تساؤلات متزايدة حول تأثير التكنولوجيا على مهارات التفكير والتعلم، ودور المعلم في العملية التعليمية، ومدى قدرة المدارس على الاستفادة من الأدوات الذكية دون تحويلها إلى بديل عن الفهم والاستيعاب.

ويجد المعلمون أنفسهم أمام تحدٍ متزايد؛ فمن ناحية، يخشون اعتماد الطلاب المفرط على الذكاء الاصطناعي، ومن ناحية أخرى، يدركون أن تجاهل هذه التكنولوجيا قد يتركهم وطلابهم بعيدًا عن التطورات المتسارعة. لذلك، أصبح السؤال الأساسي هو: كيف يمكن تطوير التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على العلاقات الإنسانية وجودة التعلم؟

جامعة بوسطن تبحث مستقبل التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي

ناقش باحثون في كلية ويلوك للتربية والتنمية البشرية بجامعة بوسطن الأمريكية هذه القضية خلال منتدى الكلية لعام 2026، الذي عُقد في مارس الماضي، بمشاركة متخصصين في تعليم الصم وعلوم البيانات والتعليم والبحث العلمي.

وشارك في النقاش مايكل آلان تشانج، الأستاذ المساعد في كلية علوم الحوسبة والبيانات بجامعة بوسطن، ونعومي كاسيلي، الأستاذة المشاركة في تعليم الصم، ونرمين داشوش، الأستاذة الإكلينيكية المساعدة، وتي جيه ماكينا، الأستاذ الإكلينيكي المساعد لتعليم العلوم، وأدارته عميدة الكلية بيني بيشوب.

وأكد الباحثون أن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرًا بالفعل في المدارس، سواء من خلال استخدام المعلمين له في تخطيط المناهج، أو استعانة الطلاب به في إعداد الأبحاث، أو دمجه داخل تطبيقات التعليم الرقمية. ورغم الإمكانات التي توفرها هذه الأدوات، فإن نجاح استخدامها يتطلب إعطاء الأولوية للعلاقات الإنسانية والاعتماد على تقنيات أثبتت الأبحاث فاعليتها.

دراسة تكشف تأثير الاعتماد على ChatGPT في نتائج الطلاب

أظهرت دراسة منشورة عام 2025 في دورية الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم، وشملت قرابة ألف طالب في المرحلة الثانوية يدرسون الرياضيات في تركيا، أن طريقة تصميم أدوات الذكاء الاصطناعي قد تؤثر بصورة كبيرة على نتائج التعلم.

واختبر الباحثون نسختين من نموذج GPT-4؛ الأولى تعمل مثل روبوت محادثة تقليدي يقدم الإجابات مباشرة، والثانية صُممت بضوابط تهدف إلى دعم التعلم بدلًا من تقديم الحلول بصورة جاهزة.

وحقق الطلاب الذين استخدموا النسخة التقليدية أداء أفضل بنسبة 48% في المسائل التدريبية، لكنهم سجلوا نتائج أقل بنسبة 17% في الاختبار بعد حرمانهم من الوصول إلى الأداة، مقارنة بطلاب لم يستخدموا الذكاء الاصطناعي من الأساس.

في المقابل، ساعدت النسخة المصممة بضوابط تعليمية على الحد بدرجة كبيرة من تراجع الأداء بعد إيقاف الوصول إلى الأداة، ما يشير إلى أهمية تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي بطريقة تشجع الطلاب على التفكير والفهم، بدلًا من الاعتماد على الإجابات الجاهزة.

لماذا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تعويض دور المعلم؟

يرى تي جيه ماكينا أن التعلم الحقيقي لا يقتصر على الحصول على الإجابة الصحيحة، بل يشمل الرحلة الذهنية التي يمر بها الطالب للوصول إليها وفهم أسبابها.

وضرب مثالًا بتعلم أسباب قدرة السحب على حمل كميات كبيرة من المياه مع بقائها معلقة في السماء؛ إذ يستطيع الطالب سؤال محرك بحث أو روبوت محادثة للحصول على تفسير، لكن الوصول إلى الإجابة بنفسه وفهمها يمثل جزءًا أساسيًا من عملية التعلم.

ويحذر ماكينا من أن الاعتماد المتكرر على الأدوات الذكية قد يتحول إلى وسيلة بديلة عن التفكير، بما يجعل الطلاب أكثر صعوبة في أداء المهام بصورة مستقلة عند غياب هذه الأدوات.

ولذلك، يعمل على تطوير أدوات ذكاء اصطناعي تتضمن ضوابط مرتبطة بالمناهج التعليمية، بحيث تدعم التعلم دون أن تحل محل دور الطالب في التفكير والاستنتاج.

أداة ذكاء اصطناعي تساعد المعلمين في تدريس العلوم

طور ماكينا أداة مجانية تحمل اسم «مدرب معايير العلوم للجيل القادم»، وتهدف إلى مساعدة المعلمين في الوصول إلى الإرشادات التعليمية والمعلومات المرتبطة بالمناهج التي يدرسونها.

وتستند الأداة إلى محتوى المناهج الفعلية، بما في ذلك المواد التعليمية التي تتضمن إرشادات تفصيلية حول تخطيط الدروس وتنفيذها، وهي معلومات قد يصعب على المعلمين الوصول إليها بسرعة بسبب توزيعها على مئات الصفحات من الأدلة والمراجع.

وتتيح الأداة استرجاع المعلومات المتعلقة بالوحدة الدراسية التي يعمل عليها المعلم خلال ثوانٍ، بدلًا من البحث اليدوي داخل الأدلة الطويلة. ووفقًا لماكينا، يستخدمها معلمون ومدربون تعليميون ومنسقو مناهج في 31 ولاية أمريكية.

ويعكس هذا النموذج توجهًا نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم المعلم وتسهيل عمله، مع الاحتفاظ بالمناهج والأهداف التعليمية بوصفها الأساس الذي يوجه استخدام التكنولوجيا.

محو الأمية في الذكاء الاصطناعي يبدأ من الطفولة

لا يقتصر التحدي على تطوير أدوات تعليمية أكثر أمانًا وفاعلية، بل يمتد إلى تعليم الأطفال كيفية فهم الذكاء الاصطناعي والتعامل معه منذ السنوات الأولى من حياتهم الدراسية.

وترى نرمين داشوش أن تعليم الأطفال مبادئ الذكاء الاصطناعي والتفكير الحاسوبي يساعدهم على إدراك أن هذه التكنولوجيا تقوم على مهارات لحل المشكلات يمكنهم استخدامها في حياتهم اليومية.

وتعمل داشوش على تصميم أدوات متعددة الوسائط للأطفال والأسر والمعلمين، بهدف تبسيط المفاهيم التقنية ومساعدة الأطفال على تحليل الأدوات التي يستخدمونها وفهم طريقة عملها، ليصبحوا قادرين على تطوير التكنولوجيا والمشاركة في إنتاجها، بدلًا من الاكتفاء باستهلاكها.

كما تشدد على ضرورة إشراك الأطفال بصورة حقيقية في تصميم التقنيات الموجهة إليهم، وضمان إتاحة فرص التعلم للجميع، دون اقتصارها على الأسر القادرة على تحمل تكاليف المعسكرات التعليمية الخاصة أو الدروس الخصوصية والأنشطة الإضافية.

وتعمل على توسيع الوصول إلى هذه الموارد من خلال التعاون مع وسائل الإعلام العامة ودمجها في المناهج المدرسية، بما يساعد على إتاحة تجارب تعليمية عالية الجودة للأطفال في البيئات التي يتعلمون فيها بالفعل.

أقل من 10% من أدوات التعليم الرقمي تستند إلى أدلة علمية

على الرغم من التوسع الكبير في استخدام التكنولوجيا التعليمية، لا تزال الأدلة العلمية على فاعلية كثير من الأدوات المتاحة محدودة.

ووفقًا لتقرير «إدتك توب 40»، الذي أصدرته شركة إنستركتشر، يستخدم الطالب الأمريكي في المتوسط 42 أداة من أدوات التكنولوجيا التعليمية سنويًا داخل المدرسة، بينما يقضي طلاب المرحلة الابتدائية في المتوسط 98 دقيقة يوميًا على الأجهزة الرقمية التي توفرها المدارس.

ورغم ارتفاع قيمة قطاع التكنولوجيا التعليمية إلى أكثر من 200 مليار دولار خلال عام 2025، تقول أولا أوزيرنوف بالشيك، الأستاذة المساعدة للبحث ومديرة مبادرة بحثية في جامعة بوسطن، إن أقل من 10% من الأدوات التكنولوجية التي يستخدمها الأطفال في المدارس تستند إلى دراسات تثبت فاعليتها.

وتثير هذه النتيجة تساؤلات بشأن الأسس التي تعتمد عليها المدارس عند اختيار التطبيقات والبرامج التعليمية، خاصة مع تزايد الحلول التي تقدمها الشركات دون توافر أدلة كافية على تأثيرها الفعلي في تحسين نتائج الطلاب.

الطلاب ذوو الاحتياجات الخاصة الأكثر عرضة لاستخدام أدوات غير مثبتة الفاعلية

تحذر أوزيرنوف بالشيك من أن الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة قد يكونون من أكثر الفئات استخدامًا للتطبيقات التعليمية التي لم تثبت فاعليتها، بسبب نقص المتخصصين القادرين على تقديم الدعم اللازم لهم داخل المدارس.

وترى أن هذه الفئة تحتاج إلى دعم بشري فعال يستند إلى الأدلة العلمية، بدلًا من الاعتماد على أدوات رقمية قد لا توفر المستوى المطلوب من الرعاية التعليمية.

وتدعو إلى إخضاع تقنيات التعليم، بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي، لمعايير علمية صارمة تشبه تلك المستخدمة في تقييم الأدوية، من خلال التجارب العشوائية المحكمة التي تساعد على قياس أثر الأداة بصورة موثوقة.

وتعتقد أن المدارس ينبغي ألا تدمج أي أداة جديدة في الفصول الدراسية قبل توافر أدلة سببية تثبت أنها تحقق نتائج تعليمية إيجابية، بما يضمن أن تكون التكنولوجيا وسيلة لتحسين التعلم وليست مجرد إضافة رقمية إلى المناهج.

تجربة علمية لاختبار فاعلية أدوات القراءة بالذكاء الاصطناعي

أطلقت أوزيرنوف بالشيك، من خلال المبادرة البحثية التي تديرها في جامعة بوسطن، تحدي «إيفال» الذي يتيح لشركات التكنولوجيا التعليمية التقدم للحصول على تجارب عشوائية محكمة مجانية يجريها أعضاء هيئة التدريس بالجامعة.

وبعد تلقي 35 طلبًا للمشاركة في أول تجربة من هذا النوع، اختيرت أداة «أميرا ليرنينج»، وهي أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقديم دعم تعليمي في القراءة، واستخدمها ملايين الطلاب، رغم عدم وجود أدلة سببية منشورة تثبت فاعليتها التعليمية.

ومن المقرر أن تقارن التجربة بين ثلاث مجموعات من الطلاب؛ الأولى تستخدم أداة أميرا، والثانية لا تحصل على تعليم إضافي، والثالثة تتلقى دروسًا مباشرة على يد طلاب جامعيين من جامعة بوسطن جرى تدريبهم على التدريس.

وتهدف المجموعة الثالثة إلى اختبار ما إذا كان الدعم البشري الذي يقدمه أشخاص تلقوا تدريبًا محدودًا نسبيًا قادرًا على تحقيق نتائج تنافس ما توفره أدوات الذكاء الاصطناعي.

وتأمل الباحثة أن تساعد نتائج التجربة على تشجيع شركات التكنولوجيا التعليمية على تقديم أدلة علمية واضحة تثبت أن منتجاتها تحسن النتائج التعليمية، بما يعزز المنافسة على أساس الفاعلية الفعلية بدلًا من الاكتفاء بالوعود التسويقية.

مستقبل التعليم يعتمد على الذكاء الاصطناعي المسؤول

تكشف هذه التجارب أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في التعليم لا يرتبط فقط بقدرة الأنظمة على تقديم المعلومات بسرعة، بل بكيفية تصميمها واستخدامها، ومدى إسهامها في تنمية التفكير المستقل ومهارات حل المشكلات.

ويرى الباحثون أن تحقيق الاستفادة من التكنولوجيا يتطلب الحفاظ على دور المعلم، وتعليم الأطفال مهارات التعامل الواعي مع الذكاء الاصطناعي، وإخضاع التطبيقات التعليمية لاختبارات علمية تثبت فاعليتها.

كما تبرز أهمية معالجة الفجوات التعليمية وضمان وصول جميع الطلاب، خاصة ذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال من الأسر محدودة الموارد، إلى أدوات آمنة وفعالة.

وبينما تتوسع المدارس في استخدام التطبيقات الذكية، يبقى التحدي الأساسي هو ضمان أن تساعد التكنولوجيا الطلاب على التعلم بصورة أفضل، لا أن تجعلهم أكثر اعتمادًا عليها وأقل قدرة على التفكير بأنفسهم.

 

يوسف إبراهيم
يوسف إبراهيم
المقالات: 1444

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *