قوانين الذكاء الاصطناعي في أمريكا تثير مخاوف من تقييد أدوات العلاج النفسي

تثير القوانين المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في عدد من الولايات الأمريكية جدلا متزايدا بين حماية المرضى من المخاطر المحتملة للتكنولوجيا، والحفاظ على قدرة الأطباء النفسيين والأخصائيين النفسيين على الاستفادة من الأدوات الرقمية المثبتة الفاعلية في تحسين الرعاية الصحية.

وبينما تستهدف بعض التشريعات الحد من الأضرار المرتبطة ببرامج الذكاء الاصطناعي، يرى منتقدون أن قوانين أخرى تتسم باتساع نطاقها، بما قد يؤدي إلى تقييد استخدام أدوات علاجية تساعد على اكتشاف مخاطر إيذاء النفس، أو توفير تدخلات نفسية للمرضى بين جلسات العلاج.

قوانين أمريكية جديدة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة النفسية

جاءت التحركات التشريعية بعد تقارير إعلامية عن أضرار خطيرة مرتبطة ببعض أدوات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك اتهامات لروبوتات المحادثة بتشجيع سلوكيات إيذاء النفس أو الانتحار. وفي ظل غياب قانون اتحادي شامل ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، اتجه مشرعون في الولايات إلى اقتراح قوانين تستهدف منع تكرار هذه الحالات.

لكن منتقدين يحذرون من أن بعض التشريعات قد تتجاوز هدف الحماية إلى الحد من وصول المتخصصين المرخصين في الصحة النفسية إلى أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكنها دعم العلاج وتوسيع نطاق الحصول على الخدمات.

وقالت ليانا فورتوناتو، الأخصائية النفسية الإكلينيكية ومديرة الصحة الرقمية والابتكار في الجمعية الأمريكية لعلم النفس، إن هناك اتفاقا على أهمية حماية الجمهور من الأضرار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكن التحدي يتمثل في صياغة قواعد تستهدف المخاطر الفعلية دون إغلاق المجال أمام الأدوات الإكلينيكية عالية الجودة والأبحاث العلمية.

33 قانونا بشأن الذكاء الاصطناعي الصحي في 22 ولاية

بحسب التقرير المنشور في 23 أكتوبر 2026، وحتى 30 يوليو من العام نفسه، جرى إقرار 33 مشروع قانون مرتبطا بسياسات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية في 22 ولاية أمريكية.

وتنظم بعض هذه القوانين استخدام الذكاء الاصطناعي من جانب مقدمي الخدمات الصحية بصفة عامة، بينما أقرت ولايات مثل إلينوي وماين ونيفادا وفيرمونت تشريعات تستهدف بصورة مباشرة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في خدمات الصحة النفسية والسلوكية.

وتسارعت وتيرة التحركات التشريعية خلال النصف الأول من عام 2026، إذ قدمت المجالس التشريعية في الولايات أكثر من 280 مشروع قانون يتعلق بالذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية، ما يعكس اتساع النقاش حول كيفية تنظيم هذه التكنولوجيا.

مخاوف من حظر أدوات تساعد على اكتشاف مخاطر إيذاء النفس

تسمح بعض الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي برصد مؤشرات قد تدل على ارتفاع خطر إيذاء النفس لدى المرضى، وتنبيه المعالجين إليها، بما يساعدهم على التدخل في الوقت المناسب. لكن بعض التشريعات قد تجعل استخدام هذه الأدوات غير قانوني أو تضعه في منطقة غير واضحة من الناحية القانونية.

كما قد تقيد القوانين استخدام تطبيقات موجهة للمرضى لتقديم تدخلات نفسية بين جلسات العلاج، حتى عندما تكون هذه الأدوات قد خضعت لاختبارات سريرية وأظهرت نتائج إيجابية.

وأوضحت فورتوناتو أن العلاجات الرقمية المعتمدة حتى الآن لا تتضمن الذكاء الاصطناعي في معظمها، لكن الاتجاه يشير إلى احتمال دمجه في الأجيال المقبلة من هذه التقنيات. وشددت على أن المقصود ليس مجرد تطبيقات يمكن تنزيلها من متاجر التطبيقات، بل أدوات تخضع لتجارب سريرية ويصفها مقدم رعاية صحية مؤهل.

قانون إلينوي يثير الجدل حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي

أصبحت تشريعات إلينوي، التي أُقرت عام 2025، نموذجا لعدد من القوانين الأكثر تقييدا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة النفسية.

ويحظر القانون على أدوات الذكاء الاصطناعي اتخاذ قرارات علاجية مستقلة، أو الانخراط مباشرة في التواصل العلاجي مع المرضى، أو اكتشاف مشاعر المرضى وحالاتهم الذهنية، حتى في حال موافقة المريض.

لكن بعض الاستخدامات، مثل أنظمة السلامة التي تنبه المعالج إلى عبارات قد تشير إلى خطر إيذاء النفس أثناء الجلسات، لا تزال تقع ضمن نطاق قانوني غير محسوم بوضوح، وفقا لدراسة تناولت الحدود القانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في خدمات الصحة النفسية بموجب قانون إلينوي.

وقالت فورتوناتو إن أهمية قانون إلينوي ترجع إلى كونه من أوائل التشريعات التي ركزت بصورة محددة على كيفية استخدام المتخصصين في الصحة النفسية لأدوات الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن ولايات أخرى تتجه إلى دراسة تشريعات مستوحاة منه.

أخصائيون نفسيون يحذرون من اتساع القيود التشريعية

في ولاية فيرمونت، شارك ريك بارنيت، الأخصائي النفسي ورئيس اللجنة التشريعية في جمعية فيرمونت لعلم النفس، في جهود المطالبة بتعديل مشروع قانون لتنظيم الذكاء الاصطناعي خلال عام 2026.

وقال بارنيت إن الصياغة الأولية للمشروع بدت واسعة إلى حد قد يُفهم منه منع الأطباء من استخدام الذكاء الاصطناعي بأي صورة، وليس فقط حظر روبوتات المحادثة الضارة. وأشار إلى أن كثيرا من برامج السجلات الصحية الإلكترونية تتضمن بالفعل خصائص للذكاء الاصطناعي، ما يثير تساؤلات بشأن مدى تأثير القيود على الأدوات المستخدمة بصورة يومية في الممارسة الطبية.

كما حذر من أن غياب التعريفات الواضحة لما تسمح به القوانين وما تحظره قد يؤدي إلى استبعاد أدوات مفيدة قبل تطويرها أو إتاحتها للاستخدام. وفي نهاية المطاف، أُقر قانون فيرمونت بعد تعديله لتقليل العواقب غير المقصودة على الأخصائيين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، عقب جهود ضغط ومناصرة شاركت فيها جمعية علم النفس بالولاية وجهات أخرى.

وأكد بارنيت أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا متزايدا من الحياة اليومية والممارسة الإكلينيكية، مشددا على أهمية متابعة القوانين القائمة والجديدة لحماية المرضى وممارسات المتخصصين.

ضوابط لحماية المرضى دون تعطيل الأدوات العلاجية

تتضمن بعض المقترحات التشريعية تدابير تهدف إلى تعزيز سلامة المرضى، من بينها إلزام الأخصائي النفسي البشري بمراجعة المواد العلاجية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، وإبلاغ المرضى باستخدام هذه الأدوات والحصول على موافقتهم المستنيرة.

وتشمل إجراءات الحماية أيضا منع روبوتات المحادثة من تقديم نفسها باعتبارها جهات علاجية مرخصة، وإلزام المطورين بوضع بروتوكولات للتعامل مع الأزمات عندما ترصد الأنظمة لغة تشير إلى احتمال إيذاء النفس، إلى جانب حماية الأطفال من المحتوى الضار.

وتتناول بعض القوانين كذلك خصوصية بيانات المرضى وضرورة توضيح طبيعة الأدوات الرقمية، بما في ذلك إبلاغ المستخدمين بأنهم يتعاملون مع نظام غير بشري، والتنبيه إلى أن مخرجات الذكاء الاصطناعي قد تتضمن أخطاء.

في المقابل، تتجه مقترحات أخرى إلى السماح باستخدام الذكاء الاصطناعي في المهام الإدارية فقط، مع تقييد التواصل العلاجي الذي يتفاعل فيه النظام مباشرة مع المرضى، وهو ما قد يحد من قدرة الأخصائيين على الاستفادة من تقنيات مصممة لدعم الرعاية النفسية.

القيود القانونية تعطل أبحاث العلاج النفسي بالذكاء الاصطناعي

تمتد آثار التشريعات إلى الأبحاث العلمية وتطوير أدوات علاجية جديدة. وقال نيكولاس جاكوبسون، الأستاذ المشارك في علوم البيانات الطبية الحيوية والطب النفسي بجامعة دارتموث، إن البيئة القانونية أصبحت عقبة أمام تطوير بعض التقنيات التي تستهدف تحسين تقييم الصحة النفسية وعلاج الاضطرابات.

ويدرس جاكوبسون أدوات تستخدم بيانات سلوكية تُجمع بصورة غير مباشرة من مستشعرات الهواتف الذكية للتنبؤ بعودة الاكتئاب، كما يعمل على تطوير أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي لمساعدة المرضى على الوصول إلى تدخلات علاج نفسي قائمة على الأدلة، خاصة عندما يتعذر عليهم التواصل مع أخصائيين بشريين.

وأشار إلى وجود أدلة على إمكانية تقديم هذه الأدوات تدخلات آمنة وفعالة للاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل، لكنه أوضح أن إقرار قانون إلينوي دفع فريقه إلى وقف الاستعدادات لإطلاق تجربة سريرية واسعة متعددة المواقع لأداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي، بسبب مخاوف من عدم إمكانية إجراء البحث داخل الولاية في ظل التشريع الجديد.

غموض القوانين يضع مجال الصحة النفسية أمام تحديات جديدة

لا تقتصر المخاوف على القيود المفروضة على استخدام الأدوات، بل تشمل أيضا اختلاف القوانين من ولاية إلى أخرى، وعدم وضوح كيفية تعامل مجالس الترخيص المهني مع المخالفات والتبعات المحتملة للتشريعات.

وقالت ديبورا بيكر، رئيسة مكتب الشؤون القانونية والتنظيمية والمهنية في الجمعية الأمريكية لعلم النفس، إن بعض مشروعات القوانين لا تعكس فهما واضحا لطبيعة الممارسة المهنية للأخصائيين النفسيين.

وفي ظل استمرار تطور التشريعات، تعمل الجمعية الأمريكية لعلم النفس مع شركائها في الولايات على متابعة المشهد القانوني، وتشجع المتخصصين على المشاركة في جهود المناصرة والتواصل مع المشرعين، بهدف الوصول إلى قواعد تحمي الجمهور من مخاطر الذكاء الاصطناعي، دون حرمان المرضى من الأدوات الرقمية التي يمكن أن تعزز جودة الرعاية النفسية وتوسع فرص الحصول عليها.

 

إبراهيم مصطفى
إبراهيم مصطفى
المقالات: 1622

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *