أميركا والصين وأوروبا.. 3 مسارات لتنظيم الذكاء الاصطناعي

تتبنى الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي مسارات مختلفة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، في ظل سباق عالمي لتطوير هذه التكنولوجيا والاستفادة من إمكاناتها الاقتصادية، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من مخاطر الأنظمة الأكثر تقدمًا.

وبينما تميل الولايات المتحدة إلى الاعتماد على التعهدات الطوعية والأوامر التنفيذية، تتبنى الصين نهجًا أكثر تشددًا في الرقابة على استخدامات الذكاء الاصطناعي، في حين يعتمد الاتحاد الأوروبي على قواعد قانونية ملزمة وعقوبات مالية.

ويتمثل التحدي المشترك أمام الأطراف الثلاثة في كيفية الحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي المتقدم دون فرض قيود تؤدي إلى إبطاء الابتكار أو منح المنافسين أفضلية في السباق التكنولوجي.

الولايات المتحدة تراهن على التعهدات الطوعية

بنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب سياسته تجاه الذكاء الاصطناعي بصورة أساسية على التعهدات الطوعية لشركات التكنولوجيا، إلى جانب الأوامر التنفيذية التي تستهدف دعم توسع القطاع وتعزيز دوره في الاقتصاد الأميركي.

وفي اليوم الأول من عودته إلى البيت الأبيض، ألغى ترامب أمرًا أصدره الرئيس السابق جو بايدن عام 2023، كان يلزم مطوري أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي بمشاركة نتائج اختبارات السلامة مع الحكومة.

وفي يوليو 2025، كشف البيت الأبيض عن خطة عمل للذكاء الاصطناعي تتضمن أكثر من 90 إجراء تستهدف تسريع تطوير التكنولوجيا وتعزيز موقع الولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.

فحص حكومي للنماذج الأكثر خطورة

ومنذ يونيو الماضي، يسمح أمر تنفيذي آخر للشركات الراغبة في ذلك بإخضاع أقوى نماذجها لفحص حكومي قبل إطلاقها لمدة تصل إلى 30 يومًا، خصوصًا النماذج القادرة على تنفيذ هجمات إلكترونية واسعة النطاق.

ورغم ذلك، لم يقر الكونغرس الأميركي حتى الآن قانونًا اتحاديًا شاملًا لتنظيم الذكاء الاصطناعي، في ظل الانقسام السياسي والضغوط التي تمارسها شركات التكنولوجيا الكبرى.

كما سعى ترامب إلى منع الولايات الأميركية من سن قوانين خاصة بالذكاء الاصطناعي، لكن الكونغرس رفض مرارًا إلغاء هذه التشريعات، وبدأت قوانين محلية تدخل حيز التنفيذ في عدد من الولايات.

كاليفورنيا تفرض قواعد للسلامة

تُلزم ولاية كاليفورنيا، منذ يناير الماضي، مطوري النماذج الأكثر تقدمًا بنشر قواعد السلامة التي يعتمدونها والإبلاغ عن الحوادث الأكثر خطورة المرتبطة بأنظمتهم.

وفي الوقت نفسه، أظهرت اختبارات أجريت هذا الصيف أن أنظمة ذكاء اصطناعي تابعة لشركات OpenAI وAnthropic وGoogle وMeta تمكنت من الاتصال بالإنترنت من تلقاء نفسها والوصول إلى عشرات المواقع.

ودعا ديفيد روبنسون، المتخصص السابق في مجال السلامة لدى OpenAI، إلى بناء ثقافة للتعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي تشبه المعايير المعتمدة في قطاعي الطاقة النووية المدنية والطيران، محذرًا من أن الأخطاء البشرية قد تؤدي إلى نتائج كارثية.

شركات الذكاء الاصطناعي تتبنى مدونة سلوك

وفي ظل قلق متزايد لدى الأميركيين من مخاطر الذكاء الاصطناعي، وقع قادة شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى في 29 سبتمبر الماضي مدونة سلوك تتضمن، من بين بنودها، إجراء عمليات تدقيق مستقلة.

ولا تتضمن المدونة عقوبات قانونية، لكن الرئيس دونالد ترامب وصفها بأنها تمثل التزامًا أخلاقيًا من الشركات.

وفي 4 أكتوبر، أوكل ترامب ملف مخاطر الذكاء الاصطناعي إلى رئيس الاستخبارات الوطنية الأميركية جاي كلايتون، الذي كُلف باقتراح وسائل للتعامل مع تهديدات التكنولوجيا مع تجنب ما وصف بالإفراط في التنظيم.

ويفضل كلايتون، وفق خريطة طريق نقلتها صحيفة وول ستريت جورنال، الاعتماد على المسؤولية المدنية بدلًا من فرض قواعد تنظيمية واسعة، بحيث تتحمل الشركة المسؤولية أمام المحاكم عن نظام ذكاء اصطناعي معيب، على غرار مسؤولية الشركات المصنعة عن المنتجات المعيبة.

الصين تفرض رقابة أكثر تشددًا

تتبنى الصين منظومة واسعة ومتطورة من القواعد المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وتشمل قطاعات واستخدامات متعددة، من بينها استخدام الأطفال لهذه التكنولوجيا.

ودخلت في يوليو الماضي قواعد لتنظيم روبوتات الرفقة القائمة على الذكاء الاصطناعي، بهدف الحد من الاعتماد العاطفي عليها، إضافة إلى حظر إنشاء نسخ رقمية لأشخاص حقيقيين من دون الحصول على موافقتهم.

وأكد الرئيس الصيني شي جينبينغ أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى دائمًا تحت السيطرة البشرية، داعيًا إلى تعزيز القوانين واللوائح التنظيمية والرقابة التكنولوجية وأنظمة الإنذار المبكر والاستجابة للطوارئ.

بكين تحذر من فقدان السيطرة على الذكاء الاصطناعي

حذر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ أيضًا من خطر فقدان السيطرة على التقنيات الأكثر تقدمًا، ومن بينها الذكاء الاصطناعي، إذا تأخرت الحكومات في وضع القواعد المنظمة لها.

ومع ذلك، يرى محللون في مختبر أكسفورد لسياسات الصين أن تعليق تطوير الذكاء الاصطناعي بصورة شاملة أو إبطاءه عمدًا لا يزال خارج النهج الرئيسي للسياسة الصينية.

ويرتبط ذلك، جزئيًا، باعتقاد بعض الأوساط الصينية بأن الإجراءات الأميركية، وعلى رأسها قيود تصدير التكنولوجيا، أثرت بالفعل على تطور قطاع الذكاء الاصطناعي في الصين خلال السنوات الماضية.

الصين تراقب المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

تفرض بكين كذلك رقابة وضوابط على المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي، في إطار منظومة الرقابة الأوسع المفروضة على المعلومات المنشورة عبر الإنترنت.

وحذر رئيس جهاز الاستخبارات الصيني الشهر الماضي من إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي للإضرار بالأمن القومي.

وقال وزير أمن الدولة تشن يي شين إن قوى معادية تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي لاختلاق شائعات سياسية ونشر معلومات ضارة.

الاتحاد الأوروبي يعتمد قانونًا ملزمًا

اختار الاتحاد الأوروبي مسارًا مختلفًا عن الولايات المتحدة والصين، إذ أقر منذ عام 2024 قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، الذي تقدمه بروكسل باعتباره أحد أكثر الأطر التنظيمية شمولًا في العالم.

ومنذ أغسطس الماضي، أصبح بإمكان المفوضية الأوروبية فرض غرامات على مطوري النماذج الكبيرة تصل إلى 3% من إيراداتهم العالمية.

لكن شركات التكنولوجيا الأوروبية تخشى أن تؤدي القواعد الصارمة إلى إبطاء الابتكار في أوروبا، خصوصًا في ظل محاولتها اللحاق بالمنافسين الأميركيين والصينيين.

أوروبا تخفف بعض قواعد الذكاء الاصطناعي

ونجحت الشركات الأوروبية لاحقًا في الحصول على تأجيل لتطبيق بعض القواعد المتعلقة بالأنظمة عالية المخاطر، في محاولة لمنح القطاع مزيدًا من الوقت للاستعداد للمتطلبات الجديدة.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في سبتمبر الماضي إن القواعد الأوروبية يمكن أن تضع أوروبا في موقع يسمح لها بتوجيه الجهود العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي.

كما تسعى إلى دعوة أبرز مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى مناقشة إمكانية إبطاء السباق نحو تطوير النماذج الأكثر تقدمًا.

أوروبا تشدد الرقابة على منصات الذكاء الاصطناعي

وتبدي شركات التكنولوجيا الأوروبية تحفظًا تجاه فكرة إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي، خشية أن يؤدي ذلك إلى منح شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى فرصة لترسيخ هيمنتها على السوق العالمية.

ويمتلك الاتحاد الأوروبي أداة تنظيمية أخرى تتمثل في لائحته الخاصة بالمحتوى على الإنترنت، والتي خضع بموجبها ChatGPT في أغسطس الماضي لأول مرة للالتزامات المشددة المطبقة على منصات الذكاء الاصطناعي، بما يشمل عمليات تدقيق سنوية وغرامات قد تصل إلى 6% من الإيرادات العالمية.

أوروبا تستهدف الاعتماد العاطفي لدى الأطفال

واقترحت المفوضية الأوروبية في سبتمبر الماضي منع روبوتات الدردشة من محاكاة العلاقات الإنسانية بطريقة قد تؤدي إلى اعتماد عاطفي لدى الأطفال، وذلك عقب سلسلة من الحالات التي ارتبطت فيها برامج المساعدة القائمة على الذكاء الاصطناعي بحالات انتحار.

ولا يزال هذا المقترح بحاجة إلى موافقة البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء قبل أن يدخل حيز التنفيذ.

3 نماذج مختلفة لتنظيم الذكاء الاصطناعي

تكشف المقارنة بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي عن ثلاثة نماذج مختلفة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي؛ نهج أميركي يعتمد بدرجة أكبر على الشركات والتعهدات الطوعية، ونموذج صيني يجمع بين دعم التطوير وتشديد الرقابة، ومسار أوروبي يقوم على القوانين الملزمة والعقوبات.

ومع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي ودخول الوكلاء والأنظمة الأكثر استقلالية إلى الاستخدام التجاري، ستواجه الحكومات الثلاثة اختبارًا متزايدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين حماية المستخدمين والأمن القومي من جهة، والحفاظ على الابتكار والمنافسة التكنولوجية من جهة أخرى.

 

إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

صحفي متخصص في التكنولوجيا

المقالات: 2312

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *