يتزايد القلق من تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، مع تسارع تطور النماذج القادرة على تنفيذ مهام كانت تعتمد في السابق على الموظفين، الأمر الذي يثير مخاوف من فقدان ملايين الوظائف واتساع فجوة الثروة بين فئات المجتمع.
ورغم التفاؤل بالإمكانات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي في مجالات العلوم والطب والإنتاجية والنمو الاقتصادي، فإن المخاوف بشأن تداعياته على الوظائف أصبحت أكثر حضورًا بين الخبراء والمسؤولين وصناع القرار.
وأظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في الولايات المتحدة خلال العام الجاري أن ما يقرب من نصف البالغين الأميركيين يشعرون بقلق بالغ تجاه تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد.
الذكاء الاصطناعي يهدد وظائف ذوي الياقات البيضاء
حذر عدد من أبرز الشخصيات في قطاع التكنولوجيا والمال من أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تغييرات واسعة في سوق العمل.
ومن بين هؤلاء جيفري هينتون، المعروف بدوره البارز في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، والذي حذر من إمكانية إحلال الأنظمة الذكية محل عدد متزايد من الوظائف المعرفية.
كما أطلق مسؤولون في القطاع المالي، من بينهم جيمي ديمون من JPMorgan Chase وجين فريزر من Citigroup، تحذيرات بشأن انعكاسات الذكاء الاصطناعي على العمالة، بينما رأى أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة Palantir Technologies، أن التكنولوجيا قد تساهم في زيادة عدم المساواة في توزيع الثروة.
هل تختلف ثورة الذكاء الاصطناعي عن الثورات التكنولوجية السابقة؟
يشير مؤيدو التطور التكنولوجي إلى أن الثورات الصناعية السابقة أدت في النهاية إلى ظهور وظائف جديدة بأعداد تفوق الوظائف التي اختفت بسبب الأتمتة.
لكن الوضع الحالي يثير مخاوف مختلفة، لأن الذكاء الاصطناعي لا يستهدف المهام البدنية فقط، وإنما أصبح قادرًا على تنفيذ مجموعة متزايدة من الأعمال الفكرية والتحليلية والإبداعية.
وهذا التطور قد يجعل عملية انتقال العمال من الوظائف التي تختفي إلى وظائف جديدة أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا تطورت قدرات الذكاء الاصطناعي بسرعة أكبر من قدرة أنظمة التعليم والتدريب على مواكبتها.
توزيعات أرباح الذكاء الاصطناعي.. هل يحصل المواطنون على نصيب من الثروة؟
من بين المقترحات المطروحة لمواجهة تداعيات الأتمتة فكرة توزيع جزء من الثروة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي مباشرة على المواطنين.
وتقوم الفكرة على اعتبار أن أنظمة الذكاء الاصطناعي استفادت من كميات هائلة من البيانات التي وفرها الجمهور، وبالتالي يمكن للمجتمع الحصول على جزء من العوائد الاقتصادية الناتجة عن استخدامها.
ويمكن تمويل هذه التوزيعات، وفق المقترحات المطروحة، من أرباح شركات الذكاء الاصطناعي أو من الإيرادات الضريبية المرتبطة بالنشاط الاقتصادي الذي تولده التكنولوجيا.
صندوق ثروة سيادي لامتلاك أسهم شركات الذكاء الاصطناعي
طرح السيناتور الأميركي بيرني ساندرز تصورًا مختلفًا يقوم على منح المواطنين ملكية غير مباشرة في شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، عبر إنشاء صندوق ثروة سيادي يمتلك حصصًا في شركات مثل OpenAI وAnthropic وغيرها.
ويستند الاقتراح إلى أن ارتفاع قيمة شركات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحول إلى منفعة اقتصادية للمواطنين إذا امتلكوا جزءًا من هذه الشركات بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
كما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب فكرة استفادة الجمهور من نجاح قطاع التكنولوجيا من خلال امتلاك الحكومة حصصًا في شركات تقنية، بما يسمح للمواطنين بالاستفادة من النمو الكبير المتوقع في القطاع.
تحديات أمام فرض ضرائب على شركات الذكاء الاصطناعي
رغم جاذبية فكرة تمويل برامج التعويض من أرباح شركات الذكاء الاصطناعي، فإن تطبيقها يواجه عقبة أساسية تتمثل في محدودية أرباح عدد من الشركات الكبرى حاليًا مقارنة بتقييماتها السوقية الضخمة.
وقد يستمر بعض عمالقة الذكاء الاصطناعي في ضخ استثمارات هائلة في البنية التحتية ومراكز البيانات وتطوير النماذج، ما قد يحد من الإيرادات التي يمكن للحكومات تحصيلها من ضرائب الأرباح في المدى القريب.
الدخل الأساسي المضمون كحل لفقدان الوظائف
يأتي الدخل الأساسي المضمون ضمن أبرز المقترحات لمواجهة فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، ويقوم على تقديم مبالغ مالية مباشرة للمواطنين لمساعدتهم على تغطية احتياجاتهم الأساسية.
وتختلف تطبيقات هذه الفكرة من دولة إلى أخرى، إذ استُخدمت برامج للتحويلات النقدية في عدد من الدول، كما شهدت الولايات المتحدة تجارب متعددة استهدفت فئات محددة من السكان.
وفي مارس الماضي، أطلق صندوق الدخل المضمون في الولايات المتحدة برنامجًا يستهدف عمالًا فقدوا وظائفهم نتيجة الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والتسويق، مع تقديم نحو ألف دولار شهريًا للمشاركين لمدة عام، إلى جانب التدريب والتوجيه المهني.
تجارب دولية لاختبار الدخل الأساسي
شهدت السنوات الماضية أكثر من 200 تجربة مرتبطة بالدخل الأساسي في الولايات المتحدة، وفق مختبر ستانفورد للدخل الأساسي.
واستهدفت بعض التجارب الأمهات العازبات والعاطلين عن العمل وفئات أخرى، بينما ركزت برامج مختلفة على مساعدة المستفيدين في تحمل تكاليف رعاية الأطفال أو التدريب وإعادة التأهيل المهني.
كما شهدت دول أخرى تجارب مماثلة، بينها فنلندا وكينيا، فيما أصبحت جزر مارشال أول دولة تطبق برنامجًا وطنيًا للدخل الأساسي الشامل، باستخدام نظام قائم على تقنية بلوكتشين لتقديم المدفوعات.
مؤيدون يرون أن الدخل الأساسي يقلل الفقر
يرى مؤيدو الدخل الأساسي أن تقديم تحويلات نقدية مباشرة يمكن أن يساعد في تقليل معدلات الفقر، كما يمنح الأفراد حرية تحديد أولويات إنفاق الأموال بدلًا من فرض برامج دعم محددة عليهم.
وتستند بعض الدراسات والتجارب إلى نتائج برامج التحويلات النقدية التي أظهرت قدرة المستفيدين على توجيه جزء من الأموال إلى احتياجات أساسية ومساعدة أفراد آخرين.
لكن منتقدي الفكرة يحذرون من التكلفة المالية الكبيرة التي قد تتحملها الحكومات، فضلًا عن مخاوف من أن تؤدي المدفوعات المستمرة إلى تقليل الحافز على العمل.
إيلون ماسك يقترح «الدخل المرتفع الشامل»
ذهب إيلون ماسك بفكرة الدخل المضمون إلى مستوى مختلف، إذ طرح مفهوم «الدخل المرتفع الشامل» بدلًا من الدخل الأساسي الشامل.
ويفترض هذا التصور أن الذكاء الاصطناعي والأتمتة سيؤديان إلى رفع الإنتاجية والناتج الاقتصادي بصورة كبيرة، بما قد يسمح بتوفير مستوى مرتفع من الدخل للمواطنين في المستقبل.
ويرى ماسك أن ارتفاع الإنتاج الاقتصادي بوتيرة أسرع من نمو المعروض النقدي قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار، وهو ما قد يجعل تقديم دخل حكومي مرتفع وسيلة للتعامل مع البطالة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي قد يمول دخلاً مضمونًا للجميع
تقوم بعض النماذج الاقتصادية المطروحة حول «الدخل المرتفع الشامل» على افتراض استمرار الذكاء الاصطناعي في تعزيز النمو الاقتصادي حتى مع إحلاله محل عدد كبير من الوظائف.
وفي هذه الحالة، يمكن للحكومات توجيه جزء من الأرباح الإضافية والإيرادات الضريبية الناتجة عن زيادة الإنتاجية إلى برامج دخل مضمون يستفيد منها المواطنون.
لكن هذا التصور لا يزال نظريًا إلى حد كبير، ولم يتم حتى الآن تحديد آلية عالمية واضحة لتطبيقه أو مصادر تمويله بصورة مستدامة.
سام ألتمان يقترح «القدرة الحوسبية الأساسية الشاملة»
يقدم سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، تصورًا مختلفًا عن الدعم المالي المباشر.
فبعد سنوات من دعمه لفكرة الدخل الأساسي وتمويله تجارب للتحويلات النقدية، بدأ ألتمان يتحدث عن مفهوم «القدرة الحوسبية الأساسية الشاملة»، الذي يمنح الأفراد حصة من الموارد الحوسبية الخاصة بالذكاء الاصطناعي بدلًا من تقديم الأموال لهم.
ويقوم التصور على منح كل شخص قدرًا معينًا من القدرة الحوسبية التي يمكن استخدامها في تنفيذ مهام الذكاء الاصطناعي، أو إعادة بيعها، أو تخصيصها لأغراض أخرى، مثل دعم الأبحاث العلمية.
حصة من إنتاجية الذكاء الاصطناعي بدلًا من الأموال
وفق هذا النموذج، لا يحصل الفرد على مبلغ مالي ثابت، وإنما يمتلك حصة من القدرة الإنتاجية التي توفرها أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ويطرح ذلك تصورًا جديدًا لكيفية توزيع المكاسب الاقتصادية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، بحيث لا تقتصر الاستفادة على الشركات والمستثمرين، وإنما تمتد إلى الأفراد من خلال حصولهم على موارد حوسبية يمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية.
ولا تزال تفاصيل تنفيذ هذا المقترح غير واضحة، بما في ذلك كيفية تحديد الحصص، وإمكانية نقلها أو بيعها، وما إذا كانت ستتاح للأفراد فقط أم للمؤسسات العامة مثل المدارس أيضًا.
إعادة تدريب العمال لمواجهة التحول التكنولوجي
إلى جانب الدعم المالي المباشر، تبرز إعادة تدريب العمال كأحد الحلول الرئيسية لتقليل آثار الأتمتة.
وتستهدف برامج التدريب مساعدة الموظفين الذين تتراجع الحاجة إلى وظائفهم على اكتساب مهارات جديدة تتيح لهم الانتقال إلى قطاعات أقل تعرضًا للاستبدال بالذكاء الاصطناعي.
ويعتقد خبراء أن الجمع بين التدريب والدعم المالي المؤقت قد يكون أكثر فاعلية من الاعتماد على أحد الحلول منفردًا، خاصة خلال الفترات الانتقالية التي قد تشهد تغيرًا سريعًا في طبيعة الوظائف.




